آخر التعاليق

زوروا منتدى الفلسفة على العنوان : ...

14/01/2008 على الساعة 19.51:11
من طرف Admin


تحية زرت منتداك ، وقد أعجبني ، ...

12/01/2008 على الساعة 22.38:49
من طرف Admin


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رائع ما ...

30/12/2007 على الساعة 11.15:31
من طرف Ahl


يومية

يوليو 2008
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031   

الوقت كالسيف ، إن لم تقطعه . . .

مواقع الزوار في العالم وأعدادهم Locations of visitors to this page

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

إعلان

rss رخصة النشر (Syndication)

اختر تصميماً



مدرسة التحليل النفسي

مدرسة التحليل النفسي


 



إن تقسيم الحياة النفسية إلى حياة نفسية واعية وحياة نفسية لا واعية ، كتب فرويد (1856 ـ 1936 ) ، يشكل المقدمة الكبرى والأساسية في التحليل النفسي ” (” محاولات في التحليل النفسي” ، 1927 ).



û       المكانان الفرويديان الإثنان.



لقد قدم فرويد على التوالي وصفين ” مكانيين ” ( من اليونانية Topos ، المكان ) للجهاز النفسي:



·            المكان الأول المعروض في الفقرة 411 من ” تأويل الأحلام ” (1900) يميز ما بين ثلاثة “أنظمة: اللاشعور ـ ما قبل الشعور ـ الشعور.



·            المكان الثاني ( الذي ظهر انطلاقا من سنة 1920 ) يمكن من تدخل ثلاث “قوى” :



v   ” في الهو تتحرك اندفاعاتنا البدائية ؛ وكل السيرورات الحادثة به تظل لا شعورية ” (فرويد ” موسى والتوحيد ” ، 1939 ) ، يخضع الهو إذن لمبدأ اللذة.



v   القوى المتبقية هي ـ الأنا ( مركز ” دفاعي ” للشخصية ) والأنا الأعلى ( امتصاص المطالب والمحرمات الأبوية ) وهما تحويران يطالان الهو أمام مطالب الواقع.



ملحوظة : الأنا والأنا الأعلى هما في جزئهما الأعظم لا شعوريان أيضا.



الفلتات ، الأحلام والعصاب



يحب فرويد أن يقدم عن الحياة النفسية تمثلا ديناميا ( من اليونانية : Dunamis ، القوة ) ، ” إن الحياة النفسية حقل صراع وحلبة تتصارع بداخلها النوازع المتعارضة ” ( “مدخل للتحليل النفسي ” 1916 ـ 1917 ) . و ” إذا كانت بعض التمثلات غير قادرة على أن تصير شعورية ، فذلك بسبب قوى معينة تعترضها ” ( ” محاولات في التحليل النفسي ” ، 1920 ـ 1923 ) .





  • الفلتات :





الفلتات أو الأفعال المخطئة لأهدافها يقول فرويد ” هي أفعال نفسية لها معنى ومصحوبة بنية ” ( ” مدخل للتحليل النفسي ” 1916 ـ 1917 ) ، ففلتات اللسان أو القلم والأفعال الطائشة والنسيان غير المبرر . . الخ ، كلها تخون وتفضح في الغالب وبالفعل أسرار الشخص الأكثر حميمية، إن مظهرها الغريب يأتي من كونها ” نتاج لتداخل قصدين مختلفين ” ( نفس المرجع السابق ) .



وهكذا ، ففي الفلتة التالية ( وهي مثلا فلتة لسان رئيس غرفة المستشارين النمساويين الذي افتتح الجلسة بقوله : ” رفعت الجلسة ” ) نجد أن النية المكبوتة استطاعت أن تفلت وطفو على السطح عن طريق اختلال الخطاب العادي. ولكونها تكوينا تراضيا فإن الفلتة أيضا تبعا لذلك تكوين استبدالي وتعويضي ( أي بديل ) للخطاب المحرم من قبل القواعد الاجتماعية ( والتي كان من الممكن أن يكون الخطاب تبعا لها كما يلي : ” أنا جد متعب ، وليست لدي أية رغبة في ترؤس الجلسة .. . ” .





  • الأحلام :





يبدو الحلم بفعل خاصية تفكك أطرافه “ لغزا سحريا ” ( ” خمس دروس في التحليل النفسي ” 1910 ) ، لكننا نجد في ما وراء ” نص ” الحلم






( ” الحلم الظاهر ” أفكارا مستترة ورغبات لاشعورية ؛ ذلك أن عمل الحلم (أو البناء الحلمي ) يقيم تراضيا في ما بين نزوعين متعارضين في الجهاز النفسي ( في ما بين رغبات لا شعورية وقوى نازعة نحو حظر هذه الرغبات). إن الحلم تبعا لذلك حسب فرويد هو تحقيق وسواسي لرغبة.



إن أمراض العُصابتبدو إما أنها بدون دوافع وإما أنها لا معنى لها ” ( ” خمس دروس في التحليل النفسي ” 1910 ) . إن العُصاب يترجم بطريقته الحضور المتسلط للرغبة المرضية ( وهكذا فإن آنا التي ترعى أباها المحتضر كانت موزعة لاشعوريا بين حبها لأبيها ورغبتها في الحرية ). إن العلامات العصابية ( الهيستيريا ، الفوبيا ، الأفعال القهرية . . . الخ ) تشكل إذن بدورها إبدالات مرضية وجد مشوهة بالتأكيد ـ تتحاشى التعبير عن رغبة مكبوتة.



إن العلامات العابية […] هي […] علامات على المكبوت ، تكوينات تسمح للمكبوت بالنجاح أخيرا في اقتحام الشعور الذي كان محرما عليه ( ” ميتا ـ سيكولوجيا ” ، 1915 ). إننا نسقط صرعى الأمراض حتى نستطيع الحصول بواسطتها على بديل عن الملذات التي تحرمنا منها الحياة ، وهي كلها ” علامات مرضية ” مشكلة ” لجزء من النشاط الجنسي لدى الشخص [ المريض ] أو لمجموع حياته الجنسية ” ( ” خمس دروس في التحليل النفسي ” 1910 ) . وهكذا فإن التأثير الأول لمرض آنا تمثل في جعلها غير قادرة على علاج أبيها لمدة طويلة . . .



ثلاثة مبادئ جوهرية للتحليل النفسي





  • كل الطاقة النفسية مشتقة من الليبيدو





إن الطاقة الجنسية حسب التحليل النفسي مشتقة بكاملها من الغريزة الجنسية ، والأنا والأنا الأعلى ليسا إلا تحويرات للهو أمام الواقع . ليس هناك إذن إلا الطاقة التي هي جنسية من حيث أصلها والتي تحملنا عن طريق التصعيد والتسامي على السعي نحو أهداف ” راقية اجتماعيا ” ( الشغل ـ الفن . . . الخ ) بدل السعي نحو مجرد المتعة الحيوانية .





  • هناك جنسية طفولية





إن الحياة الجنسية حسب لدى الفرد تتجاوز بكثير حسب فرويد إطار نشاطه الجنسي : فالحياة الجنسية تبدأ مع الطفولة المبكرة وتغلف أشكال الحياة العاطفية الأشد تنوعا .



وهكذا ، فإن ” الحركة الإيقاعية والمتكررة للشفتين ” التي يمارسها الرضيع ، وعملية الامتصاص لدى الأطفال ، تعرف باعتبارها ” نشاطا جنسيا ” ( ” ثلاث محاولات في نظرية الجنس ” 1905 ) . إننا سنكون مخطئين بعبارة أخرى إذا ما اعتقدنا ( أو أردنا أن نعتقد ) أن ” الاندفاع الجنسي […] لا يستيقظ إلا في مرحلة البلوغ ” ( نفس المرجع ).



وهذه الجنسية الطفولية تمر تباعا بثلاث مراحل :



ü      المرحلة الفمية ( السنة الأولى )



ü      المرحلة السادية ـ الشرجية ( من السنة 1 إلى السنة 3 )



ü      المرحلة القضيبية ( من السنة 3 إلى السنة 5 ).



وبعد مرحلة كمون للجنسية ( من سن 6 إلى 11 تقريبا ) يكتمل التنظيم النفسي عند لحظة البلوغ خلال مرحلة رابعة هي المرحلة الجنسية ( أو مرحلة المراهقة ).



·       التمييز بين الحالة السوية والحالة المرضية مسألة جد نسبية



لقد اعترفنا بأنه يستحيل علينا عمليا أن نضع خطا فاصلا بين الحالات السوية والحالات غير السوية ” ، كما كتب فرويد في “موسوعة التحليل النفسي ” ، 1938 ).



ليس للأمراض العصابية أي محتوى نفسي خاص لا يمكن أن نصادفه لدى الأشخاص الأسوياء ، ومن ثم فإن التحليل النفسي يدعونا أيضا لمراجعة مواقفنا المشتركة اتجاه المرضى العقليين.



    


Admin · شوهد 8 مرة · 0 تعليق
الفئات: علوم إنسانية
22 مارس 2008

الحق والمجتمع


الحق والمجتمع


الإنسان " حيوان مدني بالطبع "


أرسطو : الطبيعة الاجتماعية للإنسان


إن الإنسان بالنسبة لأرسطو (384 ـ 322 ق.م) " حيوان مدني " ( من اليونانية Polis أي " المدينة ") هو كائن اجتماعي بالطبع ، مضطر للاجتماع مع أمثاله لتكوين مجتمع، لذلك فإن فكرة إنسان " طبيعي " قبل ـ اجتماعي ليست إلا وهما ؛ وذلك لأن الإنسان ليس إنسانا إلا لكونه يجتمع مع أفراد آخرين غيره. " وأيضا فإن من لا يستطيع أن ينتمي لأي اجتماع بشري ، أو ذاك الذي ليس في حاجة إلى غيره باعتباره مكتفيا بذاته ، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يشكل جزءا من المدينة : وتبعا لذلك فهو إما حيوان وإما إله " (السياسة ، الكتاب 1 ، الفقرة 2 ) .


إن الفيلسوف العربي ابن سينا(القرن 11 م ) ، وهو من أكبر قراء أرسطو ، يؤكد بنفس المعنى أن " الكائن الإنساني ، كما تم خلقه ، لا يمكنه الحفاظ على وجوده بدون مجتمع " .


كونت : ليس هناك فرد إنساني من دون مجتمع


لقد تصدى أوغست كونت (1798 ـ 1857) ، باعتباره مؤسسا للنزعة الوضعية ، لنزوع المحدثين لاعتبار الفرد نقطة انطلاق التفكير السوسيولوجي عندما قال : " إن قابلية المجتمع للرد أفراد بمعنى العبارة لا يشكل إلا تحليلا فوضويا ، لا عقلانيا كما هو لا أخلاقي ، ينزع نحو تفكيك الوجود الاجتماعي بدل تفسيره ، ما دام لا يصبح قابلا للتطبيق إلا عندما يتوقف المجتمع الإنساني، إنه تحليل أهوائي في السوسيولوجيا كما يمكن أن يكون كذلك في البيولوجيا ؛ فالتفكيك الكيميائي للفرد ذاته إلى جزئيات أمر غير ممكن ، وافتراقها لم يسبق له أن حدث خلال حياته كلها " .(نظام الفلسفة الوضعية ، الجزء 2 ، الفقرة 3 [1851 ـ 1854] ) .


ليس هناك من فرد مستقل ذاتيا يمكننا تصور وجوده بمبعدة عن أية علاقة اجتماعية ، وبهذا المعنى كتب أوغست كونت قائلا : " إن الإنسان الفرد بالمعنى الكامل للعبارة غير موجود ، ولا يمكن أن توجد إلا الإنسانية ؛ ما دام كل تطورنا ناجم عن المجتمع ضمن بعض العلاقات التي نتصورها . وإذا كانت فكرة المجتمع تبدو كأنها تجريد ناجم عن ذكائنا ، [ ...] فإن فكرة الفرد بالأحرى التي تنتهي إلى سمة مثل هاته ، على الأقل بالنسبة لنوعنا " (مقالات في الفكر الوضعي ـ 1844) .




مسألة السيادة


أرسطو ؛ بوسوي ؛ رامساي : الطبيعة أساس التراتبية الاجتماعية


بخلاف فكرة رائجة فإن فكرة المساواة القانونية بين بني البشر ـ بدون تمييز بين الطبقات أو الأعراق أو الأجناس ـ هي فكرة حديثة.


ليس هناك شك بالنسبة لأرسطو (القرن 4 ق م ) في أن " البشر يتمايزون منذ الميلاد بفعل أن بعضهم خلق من أجل يساد ، وأن البعض الآخر خلق من أجل أن يسود " ( السياسة 1 ، 2 ). " إن الطبيعة ، يضيف أرسطو ، تقسم الناس إلى أحرار وعبيد " (نفس المرجع السابق ) . عشرون قرنا بعد ذلك لم يتفوه إيديولوجيو الفيودالية (بوسوي ـ رامساي ... الخ ) بكلام مغاير : " يولد بعض الناس مهيئين للحكم ، في حين أن عددا لا نهائيا من الأشخاص الآخرين يولدون فيما يبدو وهم مهيئون للخضوع " كما قال رامساي في : محاولة فلسفية حول الحكومة المدنية ( الفقرة 4 ـ 1719 ) .


هوبز ومنظرو الحق الطبيعي


تضمن حالة المدنية سلامة كل فرد


" خارج حالة المدنية " كتب هوبز ، أي في حالة الطبيعة ، " يتمتع كل فرد بدون شك بحرية تامة ، لكنها عقيمة ؛ وذلك لأنه إن كان حرا في أن يفعل ما يشاء ، فإنه بالمقابل ، وما دام الآخرون يتمتعون بنفس الحرية ، يكون معرضا لتحمل كل ما يروقهم [...] . إن لكل فرد خارج المجتمع المدني حقا في كل الأشياء ، ولو أنه لا يستطيع على الأقل أن يسعد بأي منها ، وفي مجتمع مدني ، على العكس من ذلك ، فإن كل فرد يهنأ بأمان بحق محدود " .(المواطن ، الفقرة × ، 1 1642).


إن الأفراد الذين يهجرون حالة ، في إطارها ، لا يتم إخضاعهم لأية مؤسسة ( وذلك لأن هذا بالضبط هو تعريف حالة الطبيعة ) ، سيعتبر حاكمهم المستقبلي لدى البعض منهم جزءا كبيرا أو قليلا من حريتهم مقابل ضمان سلامتهم ( البوليس ـ العدالة ....الخ).


منظرو الحق الطبيعي :


مختلف أشكال تصور حالة الطبيعة


يتفق كل منظري الحق الطبيعي ( جروتيوس ـ بوفندروف ـ هوبز ـ لوك ـ روسو ...الخ) على مسلمة مشتركة فيما بينهم تقول : ليس لأحد بالطبيعة الحق في حكم الغير ؛ فكل سلطة تشتق من تعاقد فيما بين الأفراد. إلا أن ما يقوله كل منهم بخصوص " حالة الطبيعة " يرتبط مع ذلك بشكل كبير باهتماماته الخاصة به أو بتطلعاته السياسية.


إن العقد الاجتماعي لدى هوبز ( 1588 ـ 1679 ) ، وهو منظر الحق المطلق ، ينزع عن الأفراد كل سلطة لصالح الدولة ، وبالتالي فإن هذا المنظر يتصور حالة الطبيعة كما لو كانت حالة حرب كل فرد فيها يخشى الموت ويتوقعها في أية لحظة و لا يطمح إلا لتأمين سلامته. الحق الطبيعي ، كتب هوبز : " هو حرية كل فرد في استعمال سلطته الخاصة كما يشاء للحفاظ على طبيعته الخاصة ، أو بعبارة أخرى ، وجوده الخاص ، وبالتالي القيام بكل ما يعتبره بناء على تقديره وتبريره الخاص ، الوسيلة الأكثر تلاؤما مع هذه الغاية " ( Léviathan ، الفقرة 14 ـ 1641 ) " مهما طالت فترة عيش الناس بدون سلطة مشتركة تفرض على الجميع احترامها ، كتب هوبز ، فإنهم يكونون في حالة تسمى حالة الحرب ، وهي حالة حرب الكل ضد الكل " (Léviathan ، الفقرة 13 ـ 1651) . إن المجتمع أو حالة المدنية حسب هوبز هي نتيجة تحويل الحق المطلق لدى كل فرد والتنازل عنه لأمير واحد ، فينتج المجتمع حينها عن تعاقد تتمثل عباراته في التالي : " أرخص لهذا الشخص أو لهذه الجماعة (= أسياد المستقبل ) وأتنازل له عن حقي في تدبير أموري بنفسي ، بشرط أن تتنازل أنت له أيضا بنفس الشكل عن حقك وترخص له بالقيام بكل ما يشاء " ( Léviathan ، II ، 15 ).


على العكس من ذلك لا يرى لوك ( 1632 ـ 1704 ) في الدولة، وهو ليبرالي ، إلا أداة تصلح بالأساس لتأمين الممتلكات والأشخاص ضد أشكال وصور العنف المحتملة ، وهو يتصور حالة الطبيعة حالة سلمية " أناس يعيشون وفق مقتضيات العقل بدون أية سلطة عليا مشتركة على الأرض تكون متميزة بالقدرة والكفاءة من أجل الفصل في نزاعاتهم. . . تلك بالضبط هي حالة الطبيعة " كما كتب لوك في : الموسوعة الثانية للحكومة المدنية ( 19 ـ 1690 ).


 


جان جاك روسو :


الحرية لا تقبل الاستلاب


إلا أن جان جاك روسو ( 1712 ـ 1787 ) لم يكن راضيا عن ذلك ؛ إذ الحرية من وجهة نظره ليست خيرا من الخيرات التي يمكن المتاجرة فيها ، وتبعا لذلك فالإرادة العامة لا يمكن أن ترهن بسلطة الأمير ، و لا حتى أن يتم تمثيلها عن طريق نواب الأمة ؛إذ أن " السيادة لا يمكن تمثيلها ، كما لا يمكن لنفس السبب أن تستلب ، فهي تتمثل أساسا في الإرادة العامة ، والإرادة العامة لا يتم تمثيلها أبدا [...] وإذن فنواب الشعب ليسوا نوابا عنه و لا يمكن أن يكونوا ممثلين له ، إذ هم ليسوا إلا مفوضين " ( العقد الاجتماعي ، III ، 15 ـ 1762 ). " أقول إذن ، كما صرح بذلك روسو ، إن السيادة باعتبار أنها لا يمكن أن تكون إلا ممارسة للإرادة العامة ، لا تقبل الاستلاب أبدا ، والأمير ليس إلا كائنا جماعيا لا يمكن تمثيله أو النيابة عنه إلا من طرفه هو ذاته " ( نفس المرجع ، II ، 1 ) . وبعبارة أخرى ، فإنه عندما يتحدث عن " الأمير " ، نكون مطالبين بأن نفهم من ذلك أنه يتحدث عن الشعب / المجتمع " أنظر إلى الشعب الإنجليزي ، يضيف روسو ، إنه يعتقد أنه حر ، غير أنه ليس كذلك ؛ فهو لا يكون حرا إلا أثناء انتخاب أعضاء البرلمان ، وما إن يتم اختيارهم حتى يغدو عبدا ، و لا شيء آخر غير ذلك " ( نفس المرجع )       

Admin · شوهد 11 مرة · 0 تعليق
26 فبراير 2008

إيديولوجيا اليوم

إيديولوجيا هذه الأيام
فرانسوا برون(*)
يزعم البعض أن ضربا من "المادية الليبرالية" سيمكننا من التخلص نهائيا من التأثير البشع لـ"الأفكار المستوردة". لكن، وفي نفس الآن، لا يكف هؤلاء المستكتبون أنفسهم عن مخاطبتنا بكلمات مثل: "التقدم"، "التكنولوجيا"، "الاتصال"، "السرعة" و"الحداثة". وباختصار، لم يكفوا عن تشييد إيديولوجيا جديدة على مرأى ومسمع منا.
هناك خطاب يخترق الغرب في مجموعه يقوم على ادعاء اختفاء الإيديولوجيات. مفكرون ذوو شأن يعلنون ذلك: ففي ديموقراطياتنا المتقدمة أصبح المواطن غير قابل لفعل القولبة والتنميط، انتهت الأخلاق المدينة وعقائد الماضي. انتهت الإيديولوجية البورجوازية الصغيرة المشهر بها في الأمس القريب من طرف رولان بارث. انتهت المجادلات الكبرى بين لغة الخشب الماركسية والمبشرين بالنزعة الاقتصادية الليبرالية؟ لم يعد هناك مجال للنقاش: فإذا كانت الرأسمالية تصدر الليبرالية إلى كل مكان في العالم، أفليس ذلك لأنها تتطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان؟..
تضفي الليبرالية على ذاتها أكثر من أي وقت مضى رداء إثبات بسيط لنظام الأشياء، وحيد وغير قابل للدحض. هكذا يصرح آلان مينك من أجل الإنهاء الحاسم لأي نقد:"ليس الفكر، وإنما هو الواقع الذي يتصف بصفة الواحدية". لم يعد أيضا هناك إذن أي مجال للتفكير: فالواقعي يكفي. والواقعة والقيمة لم يعودا يشكلان إلا شيئا واحدا.
يقدم لنا أرمان ماتلار مثالا عن هذه الظاهرة التي تعممت: "الكليانية واقعة، يقول ماتلار، وهي أيضا إيديولوجيا: فاللفظ يخفي تعقد النظام العالمي الجديد بدل أن يكشف عنه"(1).
ليس في مقدور أي كان إنكار أن الكليانية واقع، فذكر اسمها وحده كاف لتبجيلها فورا باعتبارها إيجابية، حتى بدون التصريح بما يستتبعها (استراتيجيات هيمنية، توحيد أنماط الاستهلاك، التدمير العاصف لمناصب الشغل الخ). نفس الغموض والالتباس نقع فيه بمجرد النطق بلفظ "العولمة". إننا ننزلق بدون توقف من الإثبات إلى الإكراهات: فالاقتصاد يتعولم، حسنا، إذن عليكم بعولمة اقتصادكم!. وهكذا، فضمن الآثار المتخلفة عن هذه "البديهية"، تدرج الشرعنات المشبوهة لـ"التشدد والصرامة": فالعولمة ضربة حظ لنا، ولكن حذار، يجب أن نتحول أولا إلى افراد قادرين على المنافسة، وهذا يفترض تقديم تضحيات، وكيفما كان الحال، فأنتم لا تستطيعون الإفلات من "منطق" الاقتصاد العالمي هذا… عليكم إذن أن لا تتجمدوا في خط الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أكل عليها الدهر وشرب الخ…
إن انزلاقا كهذا يمكن ملاحظته بخصوص أبعاد متعددة، ويمكن أن نميز بداخل الخطاب الشمولي على الأقل أربع مركبات إيديولوجية كبرى:
1 ـ أسطورة التقدم. أكيد أن التقدم حقيقة واقعة، ولكنه أيضا إيديولوجيا. إن المثل البسيط "لا يمكن إيقاف عجلة التطور" هو مبدأ للإخضاع مكرر مئات المرات، وهو أيضا أمر يومي: فكل منا مطالب بأن يتقدم ويتغير ويتطور. هاك على سبيل المثال السؤال الذي يطرحه صحافي على منشط إذاعي: "عدد أفراد جمهوركم اليوم يصل إلى ثلاثة ملايين مستمع، فكيف تنوون تطوير نشاطاتكم؟". ولكن لماذا يجب استقطاب مزيد من المستمعين؟.. ذلك لأن التطور يجب أن يكون محسوبا، وهو في الغالب ذو طبيعة كمية. إن هذا الهوس هو بدون شك أصل التعبير المشهور: "التطور السلبي"، فعملية تقهقر للإنتاج الاقتصادي باعتبارها مسألة غير قابلة للتصور، أريد أن لا ترى فيها إلا صورة ماكرة للتطور، ذلك لأنه لا بد من التطور في جميع الأحوال.
وبالعلاقة مع ما ذكرنا، فإن الرعب الأكبر هو أن تكون متخلفا عن الركب: عن ركب ابتكار جديد، أو عن مستوى استهلاك استمعوا لهذه الأخبار المفزعة: "بالمقارنة مع أمم مصنعة أخرى، تعتبر الأسر الفرنسية متخلفة بخصوص تجهيزات الحاسوب!"، "إن فرنسا متخلفة في ميدان الإشهار إذا أخذنا بعين الاعتبار نصيب PIB الذي تخصصه للإشهار عن كل فرد من الساكنة" إن وسائل الإعلام تعشق تعاطي ابتزاز التخلف، وتلك صورة معكوسة لإيديولوجية التقدم.
ألفاظ قريبة من لفظة "التقدم" كـ"التطور" أو "التغير" تستفيد من قبلية إيجابية. إن التغير الواقع، وهو أيضا إيديولوجيا. "كم تغيرتم أيها الفرنسيون!" وهو العنوان الذي اختارته يومية لإثارة انتباه القراء(2): إنه بدون شك تطور حقيقي ما دام عبارة عن تغير. ففيم تغير الفرنسي؟.. في ما أصبح أكثر قربا من أن "يكونه" منه مما "يبدو" أنه سيكونه! إن هذا النمط من التحليل المنحدر من استقراءات الرأي المصطنعة هو المثال النموذجي للأحداث السوسيولوجية المغلوطة نحن في حاجة أكيدة للتغير، يجب أن "يتحرك" مجتمعنا، نحن في حاجة للتطور الذي هو تحسن حتمي. فذاك هو عصرنا.
2 ـ أولية التقنية. التقنية واقع، وهي أيضا إيديولوجيا. وكل ما يقدم باعتباره تقنية، باعتباره وظيفيا، يبدو إيجابيا. لقد حازت التقنية دوما قوة القانون؛ فـ"الأسباب التقنية" هي المستدعاة غالبا لحجب المشاكل الاجتماعية أو الاختيارات السياسية القابلة لأن تكون موضوع أخذ ورد، فمنطق الأنظمة (ومن بينها النظام الاقتصادي) يحظر أن توضع انحرافاته موضع نقاش. وعندما يتم تجريم الاختلال الوظيفي، فذلك من أجل الدعوة إلى مزيد من التقنية من شأنه أن يسمح بالتحكم فيه. إن الإيديولوجية التقنوية تمركز فكر الناس حول الـ:كيف؟ وذلك من أجل إخفاء السؤال المرعب: لماذا؟ وهكذا، فبدل التساؤل عن أسباب وتأثيرات العنف التلفزيوني، يعتقد أننا قمنا بحل المسألة بابتكار "قزم إلكترونيكي Puce" يمكن من ترميز المشاهد المؤلمة. لقد أسلمنا أمرنا لـ"عبقرية" الاختصاصيين، وذلك لأن الخطاب التقنوقراطي الذي يصدر عن أصغر تقني أو أكبر خبير كانت له دوما وظيفة إسكات غير الاختصاصيين، أي الأغلبية الساحقة من المواطنين.
من بين أنواع "التقدم التقني" التي لا تحصى، والتي يعتبر الشك فيها هرطقة وبدعة، يمكننا أن نذكر اثنين عظيمين: الطريق السيار والسرعة. إن الطريق السيار حقيقة واقعة، ولكنه أيضا محض إيديولوجيا. إنه رمز للعالم الموهوب لحرية الفرد المعاصر: سلخ متسارع للمسافات، تقلص للزمان، طريق ملكي للحداثة. إن معنى ضمنيا كهذا للطريق السيار يضمن القبول بدون مجهود يذكر، لمشاريع "طرق سيارة" لا متناهية: فهو يفتح طريقا نحو شعارات يمكن لمعناها أن يجعل عشاق الحرية يطيرون من الفرح: "إن مستبلكم يمر عبر الطريق السيار!" وليس في الأمر ما يذهل أخيرا إذا كانت "الطرق السيارة للمعلومات" ذائعة الصيت تفرض نظامها المشبوه بفعل سحر استعاري بسيط.
إن السرعة حقيقة واقعة. وهي أيضا إيديولوجيا لا تقبل الانفصال عن أسطورة التقدم. كل ما يتحرك في العالم، كل ما يتحرك بسرعة… يتقدم. إن كل حركية هي إيجابية؛ والضرر الأكبر هو أن تكون "متجاوزا". إن أغلبية المسابقات (= الرياضية) تقوم على قاعدة السرعة، ولكن، وفي جميع الأحوال، يجب أن تتحرك بسرعة، أن تفكر بسرعة، أن تعيش بسرعة. إن السياسي الذي يعد بالتحرك "بسرعة أكبر، وإلى مدى أبعد" هو الذي يقابل تلقائيا بالتصفيقات الحارة، حتى بدون أن يحدد في أي مسار سيفعل ذلك، وهذا بالضبط ما يجعل محاكمة "مجتمع ذي سرعتين" تحافظ ضمنيا على مفهوم السرعة كمعيار قيمي. طبيعي إذ أن تقود دوخة السرعة نحو قبول إجماعي لكل أنواع التطور المعاصرة. يجب أن نركض، أن نلاحق، أن نستقل القطار وهو يسير: فعبادة السرعة تولد بدون حدود نفاذ صبر نزعة الملاحقة.
3 ـ عقيدة الاتصال. لأن إمكانيات التواصل تتضاعف بشكل لا نهائي فمن المعقول الاستجابة لحاجة رائعة كان على الشعوب واجب الإحساس بها. كلمة سحرية تفتح جميع الأبواب، عقيدة يومية نحن منذرون للإيمان بها. إن التواصل هو أيضا الكذبة الإشهارية (التي تماثل بدون وجه حق بين "الإشهار" و"التواصل") أكثر منه مفتاح النجاح المهني. إيعاز للجميع وللطلبة بالخصوص، ليتعرفوا على التواصل من أجل أن ينجحوا، أن يوجدوا، أن يحبوا وأن يبيعوا، ألديك مشكلة مع مستخدميك؟ مع زبنائك؟ مع زوجتك أو زوجك؟ مع جمهورك؟ مع محكوميك؟ مع شركائك الدوليين؟. إذا كان الأمر كذلك، فلأنك لا تعرف كيف تتواصل.
تجتذب أسطورة التواصل هاته في إثرها ألف لفظة ولفظة من ألفاظ القيمة، هي في نفس الآن موجهات إيديولوجية. لفظة "الربط" La Connexion على سبيل المثال هي تحويل تقني لعبادة الاتصال: يجب أن تربط الاتصال، أن تكون منخرطا في كل مكان، ويكون الوصول إليك سهلا ومتاحا للجميع.
ويكفي كما يظن أن تكون بالقوة (بالإمكان) على اتصال (بواسطة وسائل الإعلام المتعددة الأوجه) حتى تجد نفسك حقا داخلا في علاقة (في وضعية تبادل أصيلة). إن التفاعلية L‘Interactivité إغراء وغواية أخرى للإيديولوجيا الإعلامية تنحدر طبيعيا -كلفظة- من -لفظة- الارتباط Connexion: وهذان اللفظان يستلزمان وحدهما وجود مجموعات تقديرية متعددة، مترابطة وموصولة مسبقا، تنتظر أن يلحق بها اي شخص ليلعب معها لعبة الإنسانية المجتمعة…
لكن يتوجب القول إن التلفزة التي هي ذاتها رؤية عن بعد، انتقائية، جزئية، مضخمة، وأكثر خداعا مما لم تكنه دائما، قد هيأت بشكل واسع هذا الوهم الاتصالي بما هو حس مشترك. منذ مدة طويلة اعتمدت هذه التفاهة المتمثلة في "النافذة المشرعة على العالم" فكرة أننا منكبون -من خلالها- على الواقع كما هو. وهذا وهم مكابر، وذلك لأن التفلزة لم تعد أبدا تعرض واقع العالم أكثر مما تجمع الشعوب حقيقة؛ فالارتواء بالصور لا يعني المشاركة في الأشياء، وقشعريرة الحدث لا تمكن مطلقا من التعرف على المشاكل.
كثيرون هم المحاولون الذين أعلنوا ذلك: فالنظام المتلفز، مأخوذا في كليته، لا يفعل شيئا آخر غير إخضاع المواطن "لتصوره -الخاص- عن العالم"، هذا المواطن الذي يعتقد بسذاجة في هيمنته على العالم عن طريق الرؤية. إن التأثير الحقيقي الإيديولوجي للتلفزيون يتمثل في إقناعنا بديانة العصر التي يريد هو أن يشكل معبدها.
4 ـ ديانة العصر. حقيقة أن العصر هو شيء واقع، ولكنه أيضا أسطورة ملائمة، ألوهية يومية تستدعى لإخضاع الفرد لتعاليم "الحداثة". إن أشكال التهليل لضروب المواءمة تشد أنفاس المهلل: يجب أن "نكيف أنفسنا مع التطور"، أن "نعيش عصرنا"، وأن "نكون أبناء عصرنا". ولكن من يقرر ما هو العصر؟ من بين ملايين الوقائع التي تحدث في نفس الثانية، من يستطيع تعيين تلك التي يمكن اعتبارها" وقائع العصر"؟ أهي وسائل الإعلام؟ هل هم المحللون؟ النخب القائدة؟ أم العامة؟..
وللحقيقة، فالعصر بناء سينوغرافي (تصويري)، وما ندعوه "حدثا" هو نتاج انتقاء وتهويل درامي اعتباطي منجز من طرف "نقالي المعلومات" باستخدام الفكرة القبلية التي يكونونها عن العصر. إن من نسميهم "فاعلين" في العالم المعاصر هم بدورهم "صنائع" مفبركة من طرف أولئك الذين يعينونهم: فمن يقرر مثلا أن الشخص الفلاني سيكون "شخصية الأسبوع"، أو الشهر، أو السنة؟ أما الجمهور فهو لا يلعب إلا دور قلب تراجيدي، ذلك القلب الذي تجعله استقراءات الرأي يتخذ موقفا ويعبر عن رأي مفبرك سلفا.
إن وسائل الإعلام تختار -بوساطة شبكة إيديولوجية مشيدة سلفا- الوقائع التي تشكل منها العصر، وذلك كي تطلب من المواطنين في ما بعد الانخراط فيه، وتشعرهم بأنهم مساهمون فيه، بدون أن يسعوا هم أنفسهم إلى اختياره. ومنذ ذاك، فأن يريد المواطن أن يكون ابن عصره يعود إلى تبني "قيم" أولئك الذين يحددون العصر وقيمه.
إن الإشهار مثلا هو فعلا حقيقة معاصرة واقعة، تتم المناداة بأنه ظاهرة مجتمعية. ومبرر أن الأمر يتعلق بواقعة حادثة، لا يتم الكف عن تبريرها باعتبارها قيمة. "كيف يمكن أن نجرؤ على انتقاد الإشهار؟" يردد "الواقعيون" بامتعاض واستياء، فتستطيع الإيديولوجيا الإشهارية أن تنشر أفيونها بدون عائق(3).
عبارات مشبوهة:
بنفس القدر يمكننا أن نتحدث عن الاستهلاك. فالأمر يتعلق حقا بواقع يومي؛ ولكنه بجعلنا غياه مقياسا أكبر لعافية الاقتصاد وحل معضلة التشغيل، بدون إعادة النظر في مفهوم "مجتمع الاستهلاك" حتى، ننعطف لنغرق فيقلب الإيديولوجيا: عين إيديولوجيا النزعة الرأسمالية التي تنتج على المستوى الدولي البطالة لهؤلاء والاستغلال الفاحش لأولئك ابسم الولي الصالح/السوق.
آلاف العبارات المشبوهة، بقلب وسائل الإعلام أو خارجها، تشرعن كل يوم الحقائق الاجتماعية أو الاقتصادية التي تحرم مناقشتها لأنها تنتمي للعصر. وغالبا ما تستخدم هذه المبررات نغمة الاستغراب البريء: فكيف أجرؤ سنة 1996 على الاستمرار في الدفاع عن مبدأ "قطاع عمومي"؟ أيعتبر ممكنا انتقاد استعمال السيارة أو رفض الكهرباء النووية (الناتجة عن استخدام الطاقة النووية؟).. إنك لن تذهب إلى حد التنديد بمكانة الرياضة في التلفزيون!(4).
يلزم أن تحدث قلاقل واضطرابات اجتماعية حتى يمكن فجأة أن تتكسر الواقعية-المزعومة للخطابات الشمولية، وتمكن من تبين الإيديولوجيا المريعة التي تشكل قاعدة انطلاقها(5). ولكن إشراقات جد مختصرة كهاته لا تعوق التشريط السياسي-الإعلامي من أن يعيد غزو حقل وعي المواطنين. إن قوة هذا النسق فعلا تتمثل في كون مختلف "المركبات الإيديولوجية" التي تشكله لا تكف عن التداخل في ما بينها، وعن تدعيم بعضها للبعض الآخر. وعندما يضعف أحدها، يتلقف الآخر المشعل: فهل سيشك في مجتمع الاستهلاك بأنه سيستمر الاعتقاد في معصومية التقدم التقني، سنصبح حذرين إزاء وسائل الإعلام، ولكننا سنحافظ على التمثل العام لـ"الحداثة" الذي تمنحنا إياه. سنأسف للعولمة… إن تعدد ووفرة الأساطير اليومية التي تعبث مستخفة بموضوعيتنا بإعادة تشكيل ذاتها دون توقف تحدث تأثيرا مشوشا يحبط التحليل النقدي. فاين هو الواقعي؟ هل يمكن أن نثق في الآراء السائدة والمتقلبة التي تعرضها عمليات استقراء الرأي المتوالية بدون انقطاع؟(6)
لقد استفحل هذا التشويش الإيديولوجي بفعل أشكال اللاتماسك الملحوظة في ما بين الخطابات المفروضة علينا وتجربة الأشياء التي غالبا ما تكذبها. إن الإيمان والركون إلى السيارة، الطريق السيار والسرعة يفضي إلى امتلاء الطرق والمدن. تصاحب أسطورة الاتصال باتساع ظواهر الانزواء (الوحدة) والإقصاء. والبحث عن جميع أشكال الاتصال ينقلب إلى وسواس معد. 
هوامش:
النص المترجم أعلاه مأخوذ عن Manière de voir 1996؛ و"تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا، مقتطفات من خطاب مجهول" هارماتان، باريس، 1996، عدد استثنائي.
1 ـ السيناريوهات الجديدة للاتصال العالمي "لوموند ديبلوماتيك"، غشت 1995.
2 ـ الإكسبريس، 2 يناير 1996.
3 ـ انظر: الاعتداءات الإشهارية، ص58 (طريقة في النظر، عدد استثنائي)
4 ـ انظر بالخصوص ميشال كايا، رياضة وحضارة، هاراتان، باريس 1996.
5 ـ كانت تلك هي الحالة في فرنسا في ديسمبر 1995.
6 ـ 1139 استقراء للرأي نشرت سنة 1995. (الاقتصادي الجديد، 15 مارس 1996) أي أكثر من 3 استقراءات في اليوم.

 

(*)  فرانسوا بيرون: كاتب "سعادة ملائمة"، كاليمار 1985، و"تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا"، مقتطفات من خطاب مجهول، هارماتان، باريس 1996. والمقال أعلاه مأخوذ من Manière de voir عدد خاص.
Admin · شوهد 18 مرة · 0 تعليق
14 يناير 2008

الفرد المخوصص

عن الاستقلال الذاتي في السياسة
                                           الفرد المخوصص
كورنيليوس كاستورياديس المتوفى في 26 ديسمبر 1997 فيلسوف ومحلل . وقد كان أحد أقوى وجوه الحياة الثقافية الفرنسية . يوناني المولد ، حل بباريس سنة 1945 ، حيث قام بتسيير مجلة " اشتراكية أو توحش " ، نشر في سنة 1968 ، بمعية إدغار موران و كلود لوفور في ماي 68 " لابريش " . وفي نهاية السبعينات ساهم في مجلة " حرٌ " ، وإلى جانب عمله الرئيس " التأسيس المتخيل للمجتـــــمع " ( 1975 ) ، ألف كتبا أخرى أساسية تم تجميعها في سلسلة انطلقت سنة 1978 تحت عنوان : " مفترق طرق المتاهة " (1) .

لا تكون الفلسفة فلسفة إذا لم تكن تعبيرا عن فكر مستقل ذاتيا . فماذا تعني : " مستقل ذاتيا " ؟ .. إنها تعني auto nomos " ما يمنح لذاته قانونها الخاص " . ومن الواضح في الفلسفة أن منح الذات قانونها الخاص يعني طرح السؤال وعدم قبول أية سلطة حتى ولو كانت سلطة الفكرة السابقة لذات الفيلسوف .
هاهنا ، إضافة لذلك ، تكون نقطة الضعف هذه محرجة قليلا ؛ وذلك لأن الفلاسفة تقريبا دوما ، ينحتون أنسقة فلسفية مغلقة كانغلاق البيضة على ذاتها ( أنظر اسبينوزا ، وانظر على الخصوص إلى هيجل ، بل حتى إلى أرسطو وإن كان بشكل أقل ) ، أو يظلون متشبثين ببعض الصيغ التي خلقوها ولم يستطيعوا وضعها موضع التساؤل .
الأمثلة المغايرة هنا قليلة ، أفلاطون أحدها ، وفرويد مثال آخر عنها في مجال التحليل النفسي ، ولو أنه لم يكن فيلسوفا .
الاستقلال الذاتي في مجال الفكر هو مساءلة للذات لا تنتهي و لا تتوقف عند أي حد ، بل توضع هي ذاتها موضع تساؤل . وليست هذه المساءلة للذات مساءلة فارغة ؛ إذ أنه لا معنى للمساءلة الفارغة . وللحصول على مساءلة ذات معنى ، يجب أن نكون قبلا قد وضعنا عددا معينا من الحدود (= العبارات ـ الألفاظ ) ، باعتبارها لا تقبل الشك مؤقتا ، وإلا لظلت المساءلة علامة استفهام ولم تكن مساءلة فلسفية . إن المساءلة الفلسفية متمفصلة ، تنفصل لتعود إلى الانسحاب على الحدود التي تمفصلت انطلاقا منها .
فما معنى الاستقلال الذاتي في السياسة ؟ .. كل المجتمعات تقريبا ممأسسة في إطارتبعية وخضوع لإرادة الغير l’hétérémonie ، بمعنى في غياب الاستقلال الذاتي . وهذا معناه أنه ولو أنها تصنع كلها مؤسساتها بذاتها ، فإنها تدمج ضمن ومن خلال هذه المؤسسات الفكرة غير المتنازع فيها بالنسبة لأعضاء المجتمع ، وهي أن هذه المؤسسات ليست عملا أو إنجازا إنسانيا ، ، وأنها لم تصنع من طرف البشر ، وفي كل الأحوال لم تصنع من طرف الآدميين الذين يوجدون هنا في هذه اللحظة . إنها صنعت من طرف الأرواح والأسلاف والأبطال والآلهة ، ولكنها ليست صنعا آدميا .
وقد عرف هذا البنذ ضمنيا وحتى بشكل غير ضمني امتيازا هائلا في الديانة العبرية : فمسألة منح القانون لموسى من طرف الرب مسألة مكتوبة وموضحة ؛ وهناك صفحات وصفحات في العهد القديم تصف بتفصيل التقنين الذي منحه الله لموسى . لا يتعلق الأمر بالوصايا العشر وحدها ، بل بكل تفاصيل القانون . وكل أحكامه لا يمكن أن تكون موضع شك : فالشك فيها سيعني إما الشك في وجود الله أو في الصدق الإلهي ، أو في خيريته وعدالته ، في حين أن هذه الصفات هي صفات جوهرية لله . نفس الشيء ينطبق على المجتمعات الأخرى التابعة والخاضعة . والمثال العبري هنا مذكور بفعل صفائه الكلاسيكي .
لكن ، ما هي القطيعة الكبرى التي أحدثتها الديمقراطية اليونانية على شكل صيغة أولى ، ثم أحدثتها على شكل صيغة أخرى أكثر رحابة وأكثر تعميما ثورات العصور الحديثة والحركات الديمقراطية الثورية التي تلتها ؟ .. إنها بكل تحديد متمثلة في الوعي الصريح بأننا نصنع قوانيننا ، وإذن ، بأننا قادرون على تغييرها .
كل القوانين اليونانية القديمة تبدأ بالبنذ التالي" édoxé té boulé kai to démo " " لقد بدا خيرا للمجلس وللشعب " . " لقد بدا خيرا " وليس " إنه خير " ؛ أي ما بدا في تلك اللحظة . ولدينا في دساتير العصور الحديثة فكرة سيادة الشعب . مثلا ، يقول بيان حقوق الإنسان الفرنسي في ديباجته : " السيادة في ملك الشعب ، يمارسها إما مباشرة وإما بتوسط ممثليه " . وقد اختفت " إما مباشرة " هاته بعد ذلك وبقينا مع " ممثليه " فقط وحدهم .
4 ملايين دولار لتصير منتخبا
هناك إذن استقلال ذاتي سياسي ؛ ويفترض هذا الاستقلال الذاتي السياسي معرفة أن الناس يصنعون مؤسساتهم الخاصة . وهذا يتطلب أن نحاول وضع هذه المؤسسات عن بصيرة في إطار الشفافية ، بعد مداولة جماعية . وهذا ما أسميه الاستقلال الذاتي الجماعي الذي يعتبر الاستقلال الذاتي الفردي نظيره غير القابل للإلغاء .
لا يمكن أن يتشكل مجتمع مستقل ذاتيا إلا من أفراد مستقلين ذاتيا . و لا يمكن أن يوجد حقيقة أفراد مستقلون ذاتيا إلا في مجتمع مستقل ذاتيا .
لماذا هذا هكذا ؟ .. إن من السهولة بمكان فهم ذلك ؛ فالفرد المستقل ذاتيا هو فرد لا يأتي فعلا ، كلما أمكن ذلك ، إلا بعد تفكير وتداول . وإذا لم يتصرف بهذا الشكل ، فإنه لا يستطيع أن يكون فردا ديمقراطيا ينتمي إلى مجتمع ديمقراطي .
بأي معنى يعتبر الفرد المستقل ذاتيا في المجتمع الذي أتيت على وصفه فردا حرا ؟ .. وبأي معنى نحن أحرار اليــــوم ؟ ..
إن لدينا عددا معينا من الحريات تم اكتسابها كنتاجات أو نتاجات فرعية لصراعات الماضي الثورية . وليست هذه الحريات حريات صورية فقط كما قال عن خطأ كارل ماركس ؛ فأن نملك القدرة على الاجتماع وقول ما نريد ليس بأي حال من الأحوال حرية صورية . لكنها جزئية ، ودفاعية ، وحتى يستقيم القول منفعلة وليست فاعلة .
كيف يمكنني أن أكون حرا إذا كنت أحيا في مجتمع مسير بواسطة قانون مفروض على الجميع ؟ .. إن هذا يبدو كتناقض لا يهضم ، وهذا ما قاد كثيرين كماكس اشتاينر (2) على سبيل المثال إلى القول بأن هذا لا يمكن أن يكون موجودا ، كما أن آخرين تلوه كالفوضويين سيدعون أن المجتمع الحر يعني الاختفاء المطلق لأية سلطة ولأي قانون ، مع معنى ضمني مؤداه أن هناك طبيعة إنسانية خيّرة ستبرز إذ ذاك ، وستستطيع الاستغناء عن أية قاعدة خارجية . وهذه في رأيي طوباوية متهافتة .
بمستطاعي القول إنني حر في مجتمع خاضع لقوانين إذا كانت لديّ الإمكانية الفعلية ( وليس على الورق فقط ) للمشاركة في مناقشة ومداولة وصياغة هذه القوانين ، وهذا يعني أنه يجب أن تكون السلطة التشريعية فعليا في ملك الجماعة ، أي في ملك الشــعب .
وأخيرا ، فإن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو أيضا الهدف الجوهري لتحليل نفسي مرتبط به ضرورة . وهنا نجدنا أمام إشكالية مغايرة نسبيا ؛ وذلك لأن كائنا إنسانيا ما هو كائن واع ظاهريا ، لكن هذا الكائن الإنساني يتمثل في أعين محلل نفسي في لاوعيه لا في وعيه ، لا لأنه غبي ، وإنما لأن هناك حاجزا يمنعه من معرفته (= الجانب اللاواعي ) هو حاجز الكبث .
نحن نولد مثلا كجواهرنفسية فردة تحيا في خضم الطاقة الهائلة التي لا تعرف حدودا أو لا تعترف بحدود لإشباع رغباتهـا ، والتي يتوجب أمامها على كل عائق أن ينمحي . ونحن ننتهي بأن نصبح أفرادا نقبل بوجود الآخرين أكثر مما نقبل بهذا الوجود على مضض ، غالبا ما نتمنى موتهم ( وهو ما لا يتحقق غالبا ) ، وكل هذا يحدث بفعل الكبث الذي يحيل كل هذه النزوعات النفسية العميقة على اللاوعي ، ويحتفظ منها في جزئها الأعظم بإبداعات الخيال الراديكالي .
يستلزم التحليل النفسي أن الفرد يُقاد ، عبر وسائل وآليات التحليل النفسي ، إلى اختراق حاجز اللاوعي هذا وسبر أغواره ما أمكن ، وإلى تخفيف اندفاعاته ( نبضاته ) اللاواعية ، وإلى عدم التصرف دون تفكير أو روية . إن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو غاية سيرورات التحليل النفسي ( بمعنى الهدف أو النقطة النهائية ) .
لكننا إذا ما ربطنا ذلك بالشأن السياسي ، فمن البديهي أيضا أننا في حاجة إلى فرد مثل هذا ، لكنه بديهي أيضا أننا لا نستطيع إخضاع مجموع أفراد المجتمع للتحليل النفسي . ومن هنا الدور الأعظم للتربية وضرورة إصلاح راديكالي لها ، لنجعل منها paidai أداة حقيقية للاستقلال الذاتي ؛ تربية من أجل الاستقلال الذاتي وموجهة نحو هذا الاستقلال الذاتي الذي يقود أولئك الذين تربوا ــ وليس الأطفال وحدهم ــ نحو التساؤل باستمرار لمعرفة ما إذا كانوا يتصرفون عن معرفة أم بالأحرى منساقين وراء أهوائهم وأحكامهم المسبقة .
ليس الأطفال وحدهم [ المعنيون بالتربية ] ؛ وذلك لأن تربية فرد ما ، بالمعنى الديمقراطي ، هي مقاولة تبتدئ مع ولادة هذا الفرد و لا تنتهي إلا بموته . وكل ما يحدث خلال حياة الفرد يستمر في تشكيله وتشويهه . إن التربية الجوهرية التي يوفرها المجتمع المعاصر لأفراده في المدارس والإعداديات والثانويات والجامعات هي تربية أداتية ، مشكلة أساسا من أجل شغل منصب وظيفي . وإلى جانب هذه التربية ، هناك تربية أخرى ألا وهي الحماريات (= البلادة والغباء ) التي يبثها التلفزيون .
حول مسألة التمثيل السياسي كان جان جاك روسو يقول إن الإنجليز اعتقدوا في القرن 18 أنهم أحرار لأنهم يختارون ممثليهم كل خمسة أعوام . بالفعل هم أحرار ، لكن يوما واحدا خلال خمس سنوات . وروسو بقوله ذاك قلل دون وجه حق من قيمة هذه الحال التي عرضها ؛ لأنه من البديهي أنهم لم يكونوا أحرارا حتى خلال هذا اليوم من خمس سنوات . لماذا ؟ .. لأنه تم التصويت على مرشحين مقدمين من طرف أحزاب سياسية ، و لم يكن ممكنا التصويت على أي كان . وقد تم التصويت انطلاقا من وضعية واقعية بكاملها مصنوعة من طرف البرلمان السابق الذي طرح المشاكل باستخذام حدود بداخلها أمكن أن تكون هذه المشاكل قابلة للنقاش ، والذي فرض بنفس الوسيلة حلولا ، أو على الأقل بدائل للحلول التي لا تتطابق و لا تتلاءم تقريبا أبدا مع المشاكل الحقيقية .
عموما فإن التمثيلية تعني سلب الممثَّلين سيادتهم ومنحها للممثلين . إن البرلمان غير مراقب .إنه مراقب خلال خمس سنوات من خلال عملية انتخاب ، لكن الجزء الأعظم من الشخصيات السياسية هو عمليا غير قابل للعزل . وهذه الحال هي في فرنسا أقل نسبيا ، وفي أمكنة أخرى أكثر من ذلك ؛ فالسيناتورات في الولايات المتحدة على سبيل المثال هم بالفعل سيناتورات مدى الحياة ، وهذا ما سيحدث بفرنسا أيضا . ولكي يتم انتخابك بالولايات المتحدة تلزمك تقريبا 4 ملاييـن دولار . من ذا الذي سيمنحك هذه الملايين الأربعة ؟ .. ليس العاطلون على كل حال ، إنها الشركات . ولماذا تتبرع الشركات بهذه المبالغ الكبيرة ؟ .. لكي تضمن بعد ذلك قبول ورضا السيناتور على اللوبي الذي تشكله هذه الشركات بواشنطن ومن أجل ضمان التصويت على القوانين التي تستفيد منها ، لا التصويت على القوانين التي تعارض هذه الاستفادة . وهنا نحن أمام المسار التي ستسلكه مجبرة كل المجتمعات المعاصرة .
هذا ما نشهد تشكله بفرنسا رغم كل الإجراءات المزعومة المتخذة لمحاصرة وضبط الفساد . لقد تحول الفساد لدى المسؤولين السياسيين في المجتمعات المعاصرة إلى سمة بنيوية نسقية ، وليس مُزحة أنه مندمج ومنضو في طريقة اشتغال النسق الذي لا يمكن أن يشتغل بشكل آخر مغاير .
ما هو مستقبل مشروع الاستقلال الذاتي هذا ؟ .. إن هذا المستقبل يتوقف على نشاط الغالبية العظمى من الكائنات الإنسانية ؛ فلم يعد بالإمكان الحديث عن طبقة محظوظة هي البروليتاريا الصناعية مثلا ، والتي تحولت منذ أمد بعيد إلى أقلية صغيرة بداخل المجتمع . ويمكن القول بالمقابل ، وهو ما أقوله ، أن مجموع الساكنة ، ما عدا % 3 من المحظوظين في القمة ، ستكون لها مصلحة شخصية في التغيير الراديكالي للمجتمع الذي تعيش في كنفه .
لكن ما نلاحظه منذ خمسين سنة هو انتصار الدلالة المتخيلة الرأسمالية ، أي انتصارا لتوسع لامحدود لتحكم مزعوم عقلاني زعما ، وضمورا وتلاشيا للدلالة المتخيلة الأخرى للأزمنة المعاصرة ، ونعني بذلك غيابا للاستقلال الذاتي .
هل ستتسم هذه الوضعية بالدوام ؟ .. أم ستكون عابرة ؟ .. لا أحد يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال ؛ إذ ليس هنالك أنبياء بخصوص أمثال هذه الموضوعات . يقينا أن المجتمع الحالي ليس مجتمعا ميتا ، إننا لا نعيش في بيزنطة أو بروما القرن الخامس ( ق.م ) ، فهناك دائما حركية ، هناك أفكار تنبثق وتتداول ، هناك ردود أفعال . لكنها تظل ناذرة وعبارة عن شذرات بالعلاقة مع المهام العظمى التي تنتظرنا . لكن ما أعتبره يقينيا هو أن الإحراج أو الإشكال الذي صغناه باستخذام عبارات ليون تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وكارل ماركس أيام " اشتراكية أو توحش " لا زال محتفظا بمصداقيته ومشروعيته ، بشرط بديهي واضح وهو أن لا يتم خلط الاشتراكية بأشكال الرعب التوتاليتارية التي حولت روسيا إلى حقل من الأطلال ، و لا ب " التنظيم " فاقد المعنى للاقتصاد ، و لا بالاستغلال الجامح للناس ، و لا بالاستعباد الكلي للحياة العقلية والثقافية الذي تحقق في هذا الإطار .
التصويت من أجل شرٍّ أقل
لماذا تعتبر الوضعية الحالية وضعية غير آكدة تماما ؟ .. لأننا نرى أكثر فأكثر في العالم الغربي تبلور شاكلة من الأفراد لم تعد أبدا على شاكلة أفراد مجتمع ديمقراطي ، أو مجتمع يمكن بداخله ممارسة الصراع من أجل مزيد من الحرية ، وإنما هم نوع من الأفراد المخوصصين المنكمشين بداخل وسطهم الشخصي الضيق ، والذين صاروا لامبالين بالمقارنة مع ما هو سياسي .
عندما يصوت الناس ، فإنهم يصوتون بشكل يتسم باللامبالاة ، إنهم لا يؤمنون بالبرنامج المقدم لهم ، لكنهم يعتبرون أن س أو ص أدنى شرا بالمقارنة مع ما كانه ع في المدة السابقة . عديد من الأشخاص سيصوتون لا محالة لصالح ليونيل جوسبان (3) في الانتخابات القادمة ، لا لأنهم يعشقونه أو لأنه دوخهم بأفكاره ، سيكون مذهلا لو حدث ذلك ، وإنما ببساطة لأنهم ملوا الوضعية الحالية . نفس الشيء هو ما حدث سنة 1995 عندما تقزز الأفراد وبرموا من جراء 14 سنة من الاشتراكية المزعومة التي تمثل إنجازها المركزي في تبني الرأسمالية الأكثر جموحا بفرنسا ، والشروع في تقويض وهدم ما كان قائما بوصفه فتوحات اجتماعية في الفترة السابقة .
إن كل مجتمع يتمفصل دائما ، من وجهة نظر التنظيم السياسي ، ضمنيا أو صراحة انطلاقا من ثلاثة أجزاء : 1 ) ما كان يسميه الإغريق oikos ، أي " المنزل " ، الأسرة ، الحياة الخاصة . 2 ) ال " أغورا Agora " : المكان العمومي ـ الخاص ، حيث يلتقي الأفراد ويتناقشون أو يمارسون عمليات تبادل ، وحيث يكوِّنون جمعيات أو شركات ، وحيث تجرى العروض المسرحية ، الخاصة أو الممولة لا يهم . إن هذا هو ما نسميه منذ القرن 18 بلفظ مهيأ للخلط ، المجتمع المدني ، خلط تعمق في الآونة الأخيرة . 3 ) ال ecclesia ، المكان العمومي ـ العام ، السلطة ، المكان الذي تمارس فيه ، أو تتواجد به ، أو حيث السلطة موضوعة.
لا يجب أن تكون العلاقة بين هذه المكونات الثلاث قائمة بشكل ثابث وصلب ، بل يجب أن تكون مرنة متمفصلة . ومن جانب آخر ، لا تقبل هذه المكونات الثلاثة أن تكون منفصلة عن بعضها كلية .
تزعم الليبرالية الحالية أنه بالإمكان فصل المجال العمومي كلية عن المجال الخاص ، في حين أن ذلك مستحيل ، وزعم القدرة على تحقيق ذلك إنما هو كذبة ديماغوجية ؛ فليست هنالك ميزانية لا تتدخل في الحياة الخاصة العمومية ، بل حتى في الحياة الخاصة . وهذا ليس إلا مثالا من ضمن أمثلة أخرى . كما أنه ليس هنالك من سلطة غير ملزمة بسن حد أدنى من القوانين الزجرية ، تقرر على سبيل المثال أن القتل محرم ، أو أنه يتوجب في المجتمع المعاصر تمويل مجالي الصحة العمومية والتعليم . يجب أن ينوجد في هذا المجال نوع من أنواع اللعب في ما بين السلطة العمومية و L’Agora ، أي الجماعـة .
لا يمكننا محاولة إيجاد تمفصل سليم بين هذه المكونات الثلاثة إلا في إطار نظام ديمقراطي حقيقة ، تمفصل يحمي بالحد الأقصى الحرية الخاصة ، ويحمي أيضا بالحد الأقصى حرية الـ Agora ( الجماعة ) ، أي المناشط العمومية المشتركة للأفراد ، ويجعل الجميع يشارك في السلطة العمومية . في حين أن هذه السلطة العمومية هي في ملك أوليغارشية نشاطها سري بالفعل ، ما دامت الفرارات الأساسية والمصيرية تتخذ دائما وراء الكواليس .
**********************************
هـــــوامـــــش :
.1 إقرا روبير ريديكير : " كورنيليوس كاستورياديس ضد التقاليدية المعممة " لوموند ديبلوماتيك ، غشت 1997 .
.2 N.D.L.R : فيلسوف ألماني ( 1856 - 1806 ) مؤلف " الأوحد وملكيته " ( 1845 ) و " تاريخ رد الفعل " ( 1852 ) .
.3 N.D.L.R : هذه الكلمات مؤرخة ب 22 مارس 1997 قبل الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في ماي ـ يونيه 1997 ، والتي انتهت بفوز السيد ليونيل جوسبان الذي أصبح منذذاك وزيرا أولا
.
Admin · شوهد 31 مرة · 0 تعليق
الفئات: مقالات فلسفية
12 يناير 2008

الغير

" فيليا " قدماء الفلاسفة ( الغير )
أرسطو: " لا أحد سيختار العيش بدون أصدقاء "

إن الصداقة بالخصوص ( باليونانية : فيليا Philia ) هي التي تشكل لدى فلاسفة العصور القديمة مجال الالتقاء مع الآخر بامتياز . ف " الصداقة ، كما يؤكد أرسطو ، هي أكثر الأشياء ضرورة للعيش ؛ وذلك لأنه بدون أصدقاء لم يكن أحد ليختار العيش ولو كان يحوز كل الخيرات الأخرى " ( الأخلاق إلى نيقوماخوس VIII ، 1 ) . " يعتقد الناس في حالة الفقر كما في حالات العوز الأخرى أن الأصدقاء هم الملجأ الوحيد " . Ibid

# أبيقور: فائدة الصداقة في العلاقات الاجتماعية

إن حكيما ما ، حسب أبيقور ، سيكون مدفوعا إلى اقتحام بعض المخاطر ، إن لم يكن مدفوعا لمجابهة الموت من أجل صديقه . وإذا كان يبدو غير وارد أبدا أن يصبح غالبية الناس حكماء ، فإن بإمكان الصداقة ، بشكل أكثر قربا فاقترابا ، أن تساهم إلى حد ما في تحويل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات سلمية ومسالِمة : " الصداقة ، كما يصرح أبيقور بذلك في La sentence Vaticane 52 ، تحيط بالعالم كما يدعونا جميعا رسول إلى الاستيقاظ لنعتبر أنفسنا سعداء حقا " .

العلاقة مع الآخر كتداخل في ما بين الذوات
# سارتر : الغير كبنية أنطولوجية للأنا

" يبدو أن فلسفتي القرن 19 و 20 أدركتا أننا لا نستطيع الإفلات من نزعة واحدية الوجود إذا كنا نتصور أولا الأنا والغير كما لو كانا جوهرين مفترقين ومتباعدين : حيث يمكن اعتبار كل وحدة بين هذين الجوهرين وحدة مستحيلة فعلا .وهذا هو السبب الذي من أجله يكشف لنا فحص النظريات المعاصرة عن مجهود للإمساك في حضن أشكال الوعي ذاتها بعلاقة ارتياط أساسية ومتعالية بالغير تكون بانية وومكونة لكل عي على حدة في عملية انبثاقه ذاتها " ( سارتر ـ الوجود والعدم ، 1943 ) . إن " الحدس العبقري " لدى هيجل ( 1831 - 1770 ) كما صرح بذلك سارتر ، يتلخص في جعلي متوقفا في وجودي وكينونتي على الغير : " إنني ، كما يقول ، كائن لذاته ليس لذاته إلا من خلال وعبر الآخر " Ibid .

#هايدجر : كينونة الآخر كتعايش مباشر

إن كينونة الآخر ، كما يقول مارتن هايدجر ( 1976 - 1889 ) ، هي وجود مشترك أو تعايش مباشر ، حتى ذلك الذي " لا يهتم مطلقا بالغير " ، والذي " يعتقد أن لا حاجة له به أو أنه مستقل عنه عاطفيا [ . . . ] يظل من حيث كينونته داخلا في نمط الوجود ـ مع ـ الغير " ( الكائن والزمن ، 1927 ) .
" إن الآخرين لا يلتقون بفضل إدراك سيميز مسبقا ذاتا معطاة مباشرة كجوهر عن كل الذوات الأخرى التي هي جواهر بدورها ، إنهم لا يلتقون انطلاقا من شكل من أشكال النظرة الأولية الموجهة نحو الذات ، والتي ستسمح وحدها بتقرير التعارض والتمايز عن الغير " Ibid .

الآخر كتهديد بالسيطرة
# ماركس : منتوج العمل هو في ملك شخص آخر

يشير ماركس إلى أنه إذا كان منتوج العمل قوة غريبة أمام منتجه ، فإن ذلك ليس ممكنا إلا لأن هذا المنتوج هو في ملكيــــــــــة " شخص آخر خارج ذات العامل " ( مخطوطات 1844 ) . إن الرأسمالية تنجز إذن تشييئا للعلاقات الاجتماعية وكذا سيطرة المادة على الأشخاص إنجازا كاملا ، فالإستلاب ( cf . le latin : alienus , « autre » ) يحدد بوصفه " سيطرة لقوى غير إنسانية " Ibid .

فلاسفة الأنوار: إنكار الآخر وعدم تحمله #

" إن الإنسان الذي هو من العظمة بفعل ذكائه هو في نفس الآن من المحدودية بفعل أخطائه وأهوائه حتى أننا لا نحتاج إلى أن نوحي له بإلحاح ومن أجل الآخرين بهذا التسامح وهذه الدعامة التي ما أحوجه إليها لمصلحته هو أولا ، والتي بدونها لن نرى في هذا العالم إلا المنازعات والقلاقل " ( لفظة «Tolérance » في الموسوعة ، 1772 - 1751 ) .

ملخص :
و" مشكل " وجود الغير هو مشكل حديث ومعاصر : إذ ليس الغير لدى ديكارت إلا جسدا ينطوي ربما على وعي شبيه بوعيي أنا، ومماثل لما تفكر فيه أناي ، ويضمن لي تبعا لذلك بأنني موجود بصورة لا تقبل الشك . وقد رفض الفينومينولوجيون ( هوسرل ـ هايدجر ـ سارتر ـ ميرلوبونتي ) أن يتم تقديم الغير بهذه الصورة الديكارتية ، كما لو كان وجوده نتيجة لشكل من أشكال الاستنتاج : إذ أن العلاقة مع الغير ، من حيث الأصل ، تدخل وتندرج ضمن علاقتنا نحن بالعالم .
Admin · شوهد 30 مرة · تعليق 1
الفئات: فلسفة
12 يناير 2008

ماهية العلم


                        مــا هـــو الـــعلـــم ؟ ..


void(0);/*1179247538751*/>17 في أوربا الغربية في خضم منافسة مع النسق التجاري ، ولكن بشكل أكثر مغايرة هذه المرة للسابق : حيث ، وباعتباره ظل أبعد ما يكون عن الصبغة التأملية ، فقد حاول ، ما في وسعه ، لتحصيل المعارف المشبعة للحاجات العملية . وهذا هو السبب في كون العلوم المنحدرة من هذا المهد الثاني ، تختلف جذريا ، من حيث موضوعاتها ومناهجها ، عن العلوم التأملية الخالصة : إنها ستحاول معرفة العالم المشخص الفيزيقي ( في القرن 17 كانت " الفيزياء " تعني كل علوم الطبيعة ) ، وستطبق المنهج التجريبي لإنجاز هذه المهمة . و لا يتعلق الأمر مطلقـــا ، وبطبيعة الحال ، بادعاء أن كل الأبحاث كانت لها غايات عملية ، و لا أن كل الاكتشافات أمكن استيعابها كاكتشافات مشتقة من من الحاجات التكنولوجية . ومع ذلك فإن العلم المولود في القرن 16 لم يبق متجاهلا من طرف عقول خالصة ، وفر لها استعباد استعباد الآخرين فرص التفلسف مجانا ، ولكنه أصبح علما شكّل موضوع اهتمام البورجوازيين أو التجار الذين ، مع أنهم لم يمارسوه بأنفسهم بل تركوا أمره للاختصاصيين ، فإنهم حلموا بتملك العالم بواسطته ، كما باشروا ذلك فعليا عن طريق نشاطهم الاقتصادي . وكما بشر بذلك ديكارت ، فإن العلم ، منذ ذلك الحين ، استهدف " جعلنا أسيادا متملكين للطبيعة " . ولكن تجديد العلم في القرن 17 لم يفعل سوى أنه فتح أمام العلم قارة أخرى : قارة " الفيزياء " ، وساهم أيضا بالتدريج ، وبروح نفعية ، في استخدام العلوم القديمة التأملية من رياضيات ومنطق في دراسة الطبيعة . وهذا هو السبب في أننا عندما نتكلم اليوم عن العلم المعاصر ، فإننا نتجاهل مكتسبات العلم القديم وعلوم القرون الوسطى ، التي لا يمكن اعتبارها مكتسبات بدون معنى، لكي نشير ونعني بشكل جوهري العلم الأمبريقي أو التجريبي ، هذان النعتان اللذان يشيران في نفس الآن للموضوع ( الطبيعة ) وللمنهج ( الإختبار التجريبي ) العلميين (1).






إن العلم معرفة موضوعية تنشئ بين الظواهر علاقات كلية وضرورية تسمح بالتنبؤ بالنتائج ( المعلولات ) التي نحن قادرون على التحكم فيها تجريبيا ، أو تحديد سببها عن طريق الملاحظة . لنوضح حدود هذا التعريف :


1 ] إن العلم معرفة : من زاوية النظر الوحيدة هاته ، يماثل العلم ما نسميه : المعرفة الأمبريقية ، بمعنى المعرفة المؤسسة على التجربة الفورية التي هي غالبا خاطئة ( النار تحرق ـ الصوف يحتفظ بالحرارة ..الخ ) ، والمعرفة التقنية ( فن صناعة البواخر ـ والنار ..الخ ) . غير أن المقارنة تتوقف عند هذا الحد : إذ المعرفة الأمبريقية وكذا المعرفة التقنية تتحددان بواسطة الحاجات الفورية التي تستجيبان لها ( أتعرف على النجوم من أجل ترشدني ـ أسوق سيارتي لغرض التنقل ... الخ ) ، في حين لم تكن للمعرفة العلمية أبدا ، وبمعنى معين ، تطبيقات فورية : إنها بالفعل إجراء ثقافي وفكري خالـص ، ولو أنها أُنشئت لغاية تطبيقات عملية محددة . لقد استطاع علماء معينون ـ مثلا ـ دراسة علم القذائف بغية تحسين مردودية قطع المدفعية ، إلا أنهم كانوا مطالبين باستخلاص قوانين عامة صالحة بالنسبة لجميع الأجسام المقذوفة . وقد استُخدمت هذه القوانين في ما بعد من طرف رجال المدفعية ، ولكن ، أيضا ، من طرف الصناع ، وحديثا من طرف المهتمين بإطلاق المكبات الفضائية إننا نجد أن العلم ، وربما كان ذلك هو السبب الأقوى لميلاده في المجتمع التجاري ، يفترض تقسيما للعمل : إنه يتعارض مع المعرفتين الأمبريقية والتقنية في أن الإجراءات الفكرية الخالصة وكذا المادية الخالصة مفصولتان عن بعضهما في العلم والتقنية ، كما أن الأشخاص القائمين بهذه الإجراءات هم أنفسهم منفصلون عن بعضهم البعض ومقسمون إلى علماء وتقنيين .


2 ] إن المعرفة العلمية معرفة موضوعية أو تنزع نحو الموضوعية : فهي تتمثل في قضايا ( قوانين ) و/أو أنسقة من القضايا ( نظريات ) هي مطالبة ، وفي الآن نفسه ، بالإستجابة لمعايير الصلاحية ( التماسك المنطقي الداخلي لقضية أو نسق من القضايا ) ولمعايير الحقيقة ( التطابق بين القضية والوقائع ) . وهذان النوعان من المعايير ( خاصة المعايير الثانية ) مستقلان أو يحاولان الاستقلال عن كل تقدير ذاتي . هكذا يلغي العلم ، لا فقط قضايا اللغة الدارجة أو الشعرية التي تتضمن تناقضا داخليا ( " هذا التلميذ متوسط الذكاء لأنه ينتمي إلى وسط متواضع ـ متوسط ـ " أو " الأرض زرقاء كبرتقالـة " ) ، بل أيضا القضايا المتناقضة مع أخرى ( " الشمس هي مركز الكون وهي لا تتحرك " هي قضية غير متسقة مع القضية التالية : " الشمس تدور حول الأرض " ) ، بل وأيضا حتى القضايا التي تم تكذيبها بواسطة التجربة أو الملاحظة ( " الطبيعة تخشى الفراغ " هي قضية مكذبة بواسطة التجربة ) . وبإرضاء هذين الشرطين يستطيع العلم أن يدعي الموضوعية والحصول على موافقة ( إجماع ) الجماعة العلمية ( المجتمع ) . ثم ، بمقدار ما يتشرب العلمُ الجسد الاجتماعي ( بواسطة مجموع الأنسقة والأنظمة التربوية ) للمجتمع بأكمله . وهذه الملاحظة الأخيرة تبين أن الموضوعية لا تحصلها المعرفة العلمية بشكل فوري ومباشرة ، لأنها مسألة يمكن امتلاكها بالتدريج ، نتيجة التعديل المتعاقب للأخطاء ، والتدقيق والإرهاف المستمرين للنظريات . فالعلم يترك دائما في بعض الجهات مناطق تشكل غنيمة سهلة للذاتية : ليست الموضوعية ، إذن ، محمولا جوهريا (2) للمعرفة العلمية ، إنها بمعنى ما ، النواة الصلبة للعلم ، وهي متأتية من محيط معين من الاحتمال والارتياب ... الخ : إنها لا تنتمي إلى ما هو كائن ، لأنها من صنف ما يصير ويكون .


     سمة مميزة أخرى تضع العلم في حال تعارض مع الحس المشترك ( المعرفة العامية ) تتمثل في كونه يستخدم مفاهيم وحيدة المعنى ، تجعل من المعرفة العلمية معرفة موضوعية : فبتعارض المفاهيم العلمية ، بهذا الخصوص ، مع المفاهيم اللسانية ( مفاهيم اللغة المتداولة ) تتميز بكونها ليس لها ، أو تحاول أن لا يكون لها إلا معنى واحدا محددا من طرف العالــم ، وذلك لتغطية مجموع من الظواهر أو العلاقات ، في حين أن المفاهيم اللسانية ملتبسة بطبيعتها : فهي تغطي عدة مجموعات من الظواهر ، وهي معرضة لانزلاق المعاني وللتشوهات مثلا ، أو لترابط غير لائق للأفكار . إن مفهوم العطالة مثلا في اللغة العلمية يشير إلى خاصية تنسحب على كل الأجسام الصلبة ، وعليها وحدها فقط ، وحسب هذا المفهوم فإن جسما متروكا لحاله يظل في حالة اللاحركة ، أو في حالة حركة دائمةما دام لم يتعرض لأي شيء يغير حركته . وبالعكس من ذلك في اللغة المتداولة ، تُتمثل العطالة باعتبارها غيابا للحركة ، أو كمقاومة لها ( قوة العطالة ) ، كما يمكن سحب هذا المفهوم على الأجسام والأرواح معا ، إلى حد أنه يتحول أحيانا إلى مرادف للجمود والبلادة . نرى بوضوح إذن أنه لا يمكننا إقامة أية معرفة موضوعية انطلاقا من التصور اللساني للعطالة ، وذلك لأنه ليست هنالك أية علاقة مشتركة بين عطالة الفتاة الشابة المغمى عليها ، وعطالة السيد " دوبون " الذي يرفض مغادرة كرسيه لممارسة عملية غسل الأطباق المنزلية ، أو العطالة الاجتماعية التي تمنع النواب الجيسكارديين من القيام بالإصلاحات الضرورية . إن المفهوم العلمي ، بالعكس من ذلك ، لا يسمح بأي شيء على الأقل خلا بناء كل الميكانيكا المتعلقة بالأجسام الصلبة .


3 ] يدرس العلم الظواهر : و لا نعني بهذا اللفظ الأشياء أو الوقائع التي يستطيع أي إنسان ملاحظتها في ما حوله ، بل نعني به الأشياء أو الوقائع المحددة ، والمنتقاة ، والمصنوعة من طرف العلماء . فالكيمياء ، على سبيل المثال ، لا تدرس ماء الحنفية أو ماء سيدي حرازم ، بل تدرس مركبا كيميائيا H2O ، والفيزيائي الذي يريد تبديه قانون السقوط الحر للأجسام لا يهتم بالانتحار والسقوط من النافذة ( بالنسبة للأشخاص ) ، وذلك لكي يحصر اهتمامه وانتباهه في دراسة كويرة معدنية تتدحرج فوق سطح مائل ، في الوقت الذي يدرس فيه عالم الطيور سلوك العصافير المحصية والمفهرسة قبليا ، والمصنفة حسب معايير مورفولوجية وإيكولوجية ... الخ .


4 ] يقيم العلم علاقات كلية وضرورية : وبذلك يتجاهل الحالات الخاصة والجزئية ، و لا يهتم إلا بالظواهر التي تحدث دائما في ظروف محددة . إن العلاقات المقامة بين حدوث الظواهر والشروط والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها هي ضرورية بمعنى أن الظاهرة لا يمكن أن لا تحدث عندما تجتمع وتتوفر شروط حدوثها . والعلاقات المستخلصة بهذه الصورة تحمل صفة " قانون " . وسنرى في ما بعد أن قوانين علمية معينة هي قوانين وصفية خالصة ، في حين أن قوانين أخرى هي قوانين سببية .


5 ] يمكِّن العلم من التنبؤ انطلاقا من القوانين التي ينشئها : وهنا يجب أن نميز بوضوح بين نشاطات وإمكانيات العلم في مجال التنبؤ ونبوءات وتكهنات العرافين الممارسة بكل أصنافها من طرف بائعي الأوهام والدجالين . إن التنبؤ العلمي هو في نفس الآن أكثر فعالية وأكبر محدودية من تنبؤ أو فراسة العرافة : فالتنبؤ يفترض بالفعل التحكم الكامل في سيرورة ما ، بمعنى معرفة سبب ما وتأثير ما ، و نتيجة لذلك تتوفر لهذه المعرفة ميزة مطلقة . على سبيل المثال يمكن التنبؤوبدقة لامتناهية بحالات الخسوف كما هو الشأن بالنسبة لمسارات المركبات الفضائية . وإذا كانت التنبؤات المناخية ( الأرصاد الجوية ) ـ والتي ليست بالسوء الذي يزعمه البعض ـ لا تضمن في شيء الحالة الجوية المثلى ( المتنبئ بها ) لعطلنا الأسبوعية أو الكبرى ، فإن مرد ذلك فقط إلى التعقد والتفاعل بين الظواهر التي لا نعرفها بشكل جيد دائما ، وإلى صعوبة ملاحظتها بالامتداد والاتساع الضرورين . وبالمقابل ، يتميز التنبؤ أو التكهن المبني على التنجيم أو على قراءة فنجان القهوة بعدم فعاليته كليا ، لأنه لا يقيم أية علاقة ضرورية بين سبب ونتيجة . وإذا كان مدى التكهن لا نهائيا ( حيث نستطيع التكهن بموت أحد السياسيين بشكل أفضل من التكهن بزواج نجمة من نجوم الطرب ) فإن الثقة التي نضعها في هذا التكهن تساوي صفرا .


     وهكذا فإن العلم ـ بفضل موضوعيته ، وبفضل الضرورة المطلقة للعلاقات التي يقيمها ، والتنبؤات التي يقوم بها ، وأيضا بفضل التواضع والحذر المصاحبين لكل قضية من قضاياه ـ هو معرفة من طبيعة أخرى مغايرة لطبائع أنواع المعارف الأخرى ، صحيحة كانت أم خاطئة .




1 ـ خصائص المعرفة العلمية :


     ـ العلم والرأي : [ بادئ الرأي ] .


     ليس العلم معرفة مختلفة عن تلك التي يمدنا بها الرأي فقط ( أو المعرفة العامية ) ، ولكنه لا يمكن أن يوجد أيضا ، كما أوضح ذلك وبقوة كاستون باشلار في جميع أعماله ، إلا بإحداثه قطيعة إبستمولوجية مع الرأي ؛ فالمعرفة العلمية مطالبة حتى تنتج معرفة إيجابية ، بإنكار شبه ـ معرفة سابقة ، وبالنسبة لباشلار فإن المعرفة العلمية هي دائما مفارقة [ رأي مغاير للرأي السائد ] تؤكد ذاتها ضد حكم مسبق .


     هكذا لن ننزعج ، تبعا لإشكالية باشلار ، من أننا نتحاشى الطرح المغلوط للتعارض بين المعرفة العلمية والرأي الشخصي ( الإحساس ـ الذاتية ) ، والذي عودنا التقليد الفلسفي على حله باللجوء إلى " ثياثيثوسنا " أو إلى مقدمة أرسطو الكبرى " لا علم إلا بما هو كلي " ؛ إذ يتعلق الأمر هنا بإبستمولوجية طفولية تختزل رادة المعرفة العلمية إلى العمومية ، إلى المفهوم ، بفصله عن إطاره المتمثل في العالم المحسوس ـ وهو ما يعتبر تعسفا ـ ؛ فتأسيسا على إبستمولوجيا مثل هاته لا يمكن لأي علم أن يتشكل ما عدا الرياضيات والمنطق ، ما دامت ترفض مفاهيم العلم الأمبريقي المعاصر : أي تلك المتعلقة بالكم والقياس ، فالثياثيثوس ـ مثلا ـ يقصي مستثنيا التيرموميتر ( مقياس الحرارة ) 0


     وإذا كنا نريد تعريف العلم بالعلاقة مع الرأي فعلا ، فيجب أن نمنح لهذا الأخير لا معنى الفكرة الشخصية الذاتية ، بل بالعكس معنى الفكرة المتلقاة ؛ فليس للعلم ، أو لم يعد من مهامه الصراع ضد المعيش ن بل هو مطالب بالمصارعة الدائمة واللامهادنة للإيديولوجيا .


     في أي شيء إذن يختلف العلم عن بادئ الرأي المتمثل بهذا الشكل ؟ .. إن بادئ الرأي ، صادقا كان أم كاذبا ، لم يكن أبدا مُحفّزا إلا من طرف حاجة اجتماعية : فالفكرة القائلة بأنه في مناطق ساحلية معينة تجلب الرياح الغربية الأمطار والعواصف ، هي فكرة تستجيب لضرورة حيوية لدى الفلاحين للحفاظ على انتاجيتهم الفلاحية ، ولدى البحارة لكي يعرفوا إن كان بإمكانهم الإبحار بدون مخاطر ، ونفس الشيء يذكر بالنسبة للفكرة القائلة بأن المحار البحري مهيج للشهوة الجنسيــة ، فهي فكرة ليس لها من معنى إلا ما تشهد به ـ على سبيل المثال ـ عدة لوحات لدى المجتمع الفلاماندي الراقي في القرن 17 حيث كان الاهتمام بالغا بالنتيجة الناشئة عن التهام هذه الرخويات أكثر من الاهتمام بالسيرورة التي تؤدي لهذه النتيجـــة . إن بادئ الرأي يبحث عن عن نتيجة ، عن معلول ، في الوقت الذي يقيم فيه العلم علاقة . ألم يكن باشلار إذن محقا في القول بأن بادئ الرأي لا يمكن أن يكون على صواب ، حتى ولو كان صائبا بالصدفة وانطلاقا من الوقائع ، " إن بادئ الرأي هو بحق خاطئ دوما " . إن العلم ينشغل ويحرص بالفعل على إضفاء المشروعية على أحكامه وإتباثاته بدون أن يهتم بنتائج وتأثيرات محتوياتها ، أما الرأي ، فهو على العكس ، لا يبالي بتفسير الظاهرة ولا يفعل سوى أن يقرر وجودهـــا ، و لا تهمه إلا المنفعة التي يمكنه أن يجنيها منها . سنرى في ما بعد أنه يمكن إيجازالتعارض بين العلم وبادئ الرأي في الكلمات التالية : يبحث العلم عن الأسباب الفاعلة في حين يتجه بادئ الرأي مباشرة صوب الأسباب الغائية .


     وإذا كنا نريد تقدير وقياس أهمية القطيعة الإبستمولوجية التي يحدثها العلم ، فإننا نستطيع مساءلة أنفسنا عن معنى إصلاح النظام التربوي المسمى إصلاح " هابي " [ في فرنسا ] في ميدان التعليم العالي : فهذا الإصلاح ينزع ، في ميدان التعليم الابتدائي والإعدادي نحو إبدال الخبرات المعرفية العلمية ، المتهمة بأنها صعبة المنال ، متجهمة ،جافة ، وغير منفتحة على الحياة ، بمعارف يزعم أنها نافعة ( كما لو أن المعارف العلمية الحقة ليست كذلك ) ومباشرة ، كما ينزع نحو تعويض التفسير العلمي للظواهر بالخبرات العملية savoir faire . في هذا الميدان الذي يهمنا بالدرجة الأولى ، نتناول من جديد مشعل باشلار ، ولا نسمح للعلم بالتنازل لبادئ الرأي كي يستحوذ على الساحة التي استوطنها العلم بصبر وأناة .


 


              (15)الرأي بحق ، خاطئ دوما .




     " إن العلم في حاجته إلى الاكتمال ، كما في مبدئه ، يعارض بإطلاق الرأي . وإذا حدث له في نقطة معينة أن يجعل من الرأي موقفا مشروعا ، فذلك لغايات أخرى غير تلك التي تؤسس الرأي ، بشكل يجعل من الرأي دائما موقفا خاطئا . إن الرأي يفكر بشكل سيء ، بل إنه لا يفكر : إنه يترجم الحاجات العملية إلى معارف ، وبتحديده للأشياء انطلاقا من مردودها العملي يعوق ذاته عن معرفتها . لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي إذ يجب أولا تدميره ، فهو أول عائق يجب تجاوزه ، ولا يكفي مثلا تعديله في نقاط معينة ، والاحتفاظ به كشكل من من الأخلاق المؤقـتة ، كمعرفة عامية مؤقتة . إن الروح العلمية تمنعنا من غتخاد رأي حول مسائل لا نفهمها ولا نستطيع صياغتها بشكل واضح . يجب أن نعرف أولا وقبل كل شيء كيفية طرح المشاكل . ومهما قلنا عن الحياة العملية ، فإن المشاكل لا تطرح من تلقاء ذاتها ، وهذا المعنى بالضبط هو الذي يسم الروح العلمية الحقيقية ؛ فكل معرفة ـ بالنسبة للروح العلمية ـ هي جواب عن سؤال . وإذا لم يكن هنالك سؤال ، فلا يمكن أن تكون هنالك معرفة علمية . إذ لا شيء ينبثق من ذاته ، لا شيء معطى بذاته ، فكل شيء يبنى " .


                       ك . باشلار : " مكونات الروح العلمية " .


                                فران 1967 ص : 14 .


     لا يسجل العلم فقط ـ بالنسبة لباشلار ـ قطيعة مع بادئ الرأي في اللحظة التي يتكون فيها : إنها قطيعة أبدية دائمة ؛ ففكرة علمية ما تستطيع دائما أن تصير رأيا معقِّما متى ما تم إقرارها وتكريسها . لا يمكن ، إذن ، اعتبار تاريخ الفكرالعلمي تاريخا لتطور مستمرمتصل ( الأطروحة التي يساندها الإبستمولوجيون القائلون بالاتصال ) ، بل بالعكس ، تاريخا لثورة دائمة تبرز خلالها أفكار مناقضة لأفكار أخرى ، ووقائع مناقضة لوقائع أخرى ... الخ . وتحدد هذه " الجدلية " الأبدية الحركة الذاتية للعلم المتمثلة في تعديل دائم للأفكار بواسطة الوقائع ، وللوقائع بواسطة الأفكار .


              (16) التقدم العلمي متتالية من القطائع .




     " يعلن التقدم العلمي دائما عن قطيعة ، عنىقطائع أبدية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية ، وذلك كلما تناولنا علما متطورا ، علما هو بفعل هذه القطائع ذاتها ، يحمل ميزة المعاصرة .


     كي نعطي لمشكلة التقدم العلمي أفقها الفلسفي ، علينا أن نفحص عن قرب بعض الاعتراضات المصاغة من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية ( . . . ) .


     أحد الاعتراضات الطبيعية لأنصار الاستمرارية الثقافية يستدعي استمرارية التاريخ ؛ فما دمنا نقوم باستعراض استمراري للوقائع ، فإننا نظن بسهولة في إمكانية إعادة إحياء الحوادث في استمرارية الزمن ، ونعطي بدون انتباه لمجمل التاريخ صفة وحدة واستمرارية كتاب ما ( . . . ) .


     إن الاستمراريين شغوفون بالتفكير في الأصول ، إنهم يهتمون بالبحث عن العناصر الأولى للمعرفة ؛ فالتقدم العلمي يحدث ببطء شديد ، ويظهر أنهم أكثر بطئا وأكثر استمرارية . وكما أن العلم يخرج ببطء من جسد المعارف العامية ، فإنهم يعتقدون في إمكانية امتلاك اليقين النهائي بالاستمرار بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية . وفي المحصلة ، هذه هي المصادر الأساسية للإبستمولوجيا الموضوعة من طرف الاستمراريين : ما دامت البدايات بطيئة فإن أنواع التقدم مستمرة . لذلك لا يذهب الفيلسوف بعيدا ، فهو يظن أن لا جدوى من معايشة الأزمنة الجديدة حيث تنفجر أشكال التقدم العلمي من كل جهة مفجرة معها بالضرورة الإبستمولوجيا التقليدية ( . . . ) .


     طريقة أخرى لتمويه الانقطاعات في التطورات العلمية تتمثل في نسب استحقاقها لحشد من الخدام المجهولين ؛ حيث يُعشق الادعاء بأن التطورات كانت " في الهواء " عندما حيّنها رجل [ العلم ] العبقري . وبذلك تُؤخد بعين الاعتبار " الأجواء " و " التاثيرات " . وكلما كنا بعيدين عن الوقائع ، كلما كان سهلا استدعاء " التأثيرات " التي تستدعى بدون توقف من أجل الأصول الموغلة في البعد ، فهي تمرّرُ عبر العصور والقارات .غير أن مفهوم التأثير هذا العزيز على الفكر الفلسفي ليس له من معنى في ميدان بلوغ الحقائق والاكتشافات في حضن العلم المعاصر . إن العاملين [ في المختبرات ] يجتمعون بدون شك ، وبدون شك يتعاونون في مجال البحث ، وهم يشكلون الآن فرقا ومدارس ، ولكن عبقرية مختبرات ما تقوم في نفس الوقت على النقــد والتجديد ؛ والنقد الذاتي لدى عمال المختبرات يدحض من جوانب متعددة كل ما ينهض من " التأثير " ( . . . ) إنه وصف للفكر العلمي باعتباره فكرا موجها داخل دوغماتية حقيقة لا تناقش ، وتلك ممارسة لعلم ـ نفس كاريكاتوري عفا عليه الزمن ، إذ أن نسيج تاريخ العلم المعاصر هو النسيج الزمني للجدال ، والبراهين التي تتقاطع فيه هي كذلك [ ناجمة عن ] فُرص الانقطاعات .


     نوع ثالث من الاعتراضات مستعار من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية من مجال البيولوجيا ؛ فما دمنا نعتقد في الاستمرار بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية ، فإننا نعمل على الاحتفاظ بها ونجعل مسألة تقويتها إلزاما لنا ، ونريد أن نستخرج من الحس السليم ، بتؤدة ورفق ، أصول ومبادئ المعرفة العلمية ، وننفر من ممارسة العنف " بالمعنى العامي " . زفي مناهج التعليم الأولية نزجي ، كما في لحظات الاستمتاع ، ساعات التلقين الخصبة ، ونتمنى الاحتفاظ بتقليد العلم الأولي ، العلم البسيط ، ونجعل من واجبنا إشراك التلميذ في جمود المعرفة الأولى .يجب عكس ذلك التوصل إلى نقد الثقافة الأولية ، فنلج بذلك مملكة الثقافة العلمية الصعبة والمعقدة .


     ها هنا حالة انقطاع لا يمكن محوها بسهولة باستدعاء نزعة نسبية بسيطة : فمن البسيط والسهل أصبحت الكيمياء فجأة صعبة ومعقدة . إنها لم تصبح معقدة بالنسبة لنا فقط ، ولا بالنسبة للفيلسوف فقط ، ولكن وبشكل أكبر صعبة في ذاتها . لن يقبل مؤرخو العلم بدون شك أن توصف الثقافة العلمية لعصرنا بأنها ثقافة صعبة بشكل خاص . إنهم سيعترضون بأنه ـ خلال حركة التاريخ ـ كانت كل أشكال التقدم صعبة ، وسيكرر الفلاسفة أن أطفالنا يتعلمون اليوم في المدرسة وبيسر ما تطلب مجهودا ضخما من العباقرة المتفردين للأزمنة المتطورة . ولكن هذه النسبية الواقعية والبديهية لا تفعل سوى إبراز السمة المطلقة لصعوبة العلوم الفيزيائية والكيميائية المعاصرة متى توجب علينا الخروج من مملكة العناصر الأولية " .




                           ك . باشلار : " المادية العقلانية "                                          


                          المطبوعات الجامعية الفرنسية 1972 .


     ص ـ ص 213 - 207 .


 


     إن القطيعة الإبستمولوجية هي بالبداهة أكثر ظهورا في العلم المعاصر منه في العلوم عند ولادتها . وباشلار هنا يوضح كلك بواسطة مثال مستعار من تقنية " عقلانية " هي عقلانية المصباح الكهربائي الذي يفترض وجوده ذاته لا فقط التخلي عن بادئ الرأي الذي يقنعنا بأن مصباحا لا يمكنه أن يضيء إلا بإحراق مادة معينة ، بل أيضا تشكيل وتأسيس مجموعة بكاملها من المعارف العقلانية تسمح بتصور وصنع الموضوع التقني البالغ التعقيد المتمثل في المصباح [ الكهربائي ] .


              (17) مثال تقني ـ علمي للقطيعة : المصباح الكهربائي .




     " لنوضح ( . . . ) كيف أن التقنية التي صنعت المصباح الكهربائي ذي الخيط المتوهج تقطع حقيقة مع كل تقنيات الإنارة المستخدمة من طرف الانسانية كلها حتى القرن 19 . فلكي ننير مكانا في التقنيات القديمة وجب إحراق مادة ما . أما الفن التقني في مصباح أديسون فيقوم على تجنب الإحراق . إن التقنية القديمة هي تقنية الاحتراق ، أما التقنية الجديدة فهي تقنية اللااحتراق .


     ولكي نتمكن من هذه الجدلية ، [ نتساءل ] عن المعرفة العقلانية الخاصة التي يتوجب امتلاكها عن الاحتراق | إن امبريقية الاحتراق لم تعد كافية للذي يكتفي بتصنيف المواد القابلة للاشتعال والاحتراق ، وبتضخيم قيمة المواد القابلة للاحتراق أكثر من غيرها ، وبتمييز بين المواد القابلة للاحتفاظ بالاحتراق والمواد غيرالقمينة بذلك . يجب أن نمتلك فهما مؤداه أن احتراقا ما هو تأليف لإعاقة الاحتراق ، وليس نموا لقوة جوهرية . وقد أصلحت كيمياء الأوكسجين في العمق ، وبشكل جذري المعرفة المتعلقة بالاحتراق .


     في [ إطار ] تقنية اللااحتراق ابتكرأديسون المصباح الكهربائي ، زجاج المصباح المغلق ، المصباح الذي لا يسحب ( الأوكسجين الضروري للاحتراق ) . إن المصباح لم يصنع لكي يعوق توهج المصباح ذاته بفعل التيارات الهوائية ، بل صنع للمحافظة على الفراغ حول السلك المتوهـج ، فليس للمصباح الكهربائي مطلقا أية خاصية مشتركة مع المصباح العادي ، والخاصية الوحيدة التي تسمح بالإشارة إلى المصباحين معا باستخدام نفس اللفظ هي أن كليهما ينيران الغرفة عندما يحل الظلام ، وحتى نجعلهما متقاربين ومتقابلين ، فإننا نجعل منهما هدفا لسلوك حياتي مشترك . لكن هذه الوحدة في الهدف ليست وحدة للفكرة ، إلا لمن لا يفكر في أشياء أخرى غير الهـــــدف ( . . . ) .


     ما نريد البرهنة عليه هو أنه في العلم الكهربائي ذاته ، هناك تأسيس لتقنية "غير طبيعية " ، لتقنية لا تتلقى دروسها من اختبار تجريبي للطبيعة ؛ إذ لا يتعلق الأمر بالفعل ، كما سنشير إلى ذلك ، بالانطلاق من الظواهر الكهربائية كما تعرض للفحص المباشر والفوري .


     في العلم الطبيعي للكهرباء في القرن 18 طُرح بدقة التساوي الجوهري بين المبادئ الثلاثـــة : نار ـ كهرباء ـ نور . وبكلمة أخرى ، فإن الكهرباء أخدت من الخصائص البديهية للشرارة الكهربية ؛ فالكهرباء نار ونور " التيار الكهربائي ، يقولl’abbé bertholon  ( كهرباء النباتات . ص : 25 . ) نار محورة ، أو هو بنفس المعنى تيار مشابه تماما للنار والنور ، ذلك لأن له معهما أكبر العلاقات ، وهي المتمثلة في الإنارة واللمعان ، والاشتعال والإحراق ، أو تذويب أجسام معينة : وهذه ظواهر تثبث أن طبيعته هي طبيعة النار ما دامت تأثيراته العامة مشابهة لتأثيرات النار ، ولكنه نار محورة ما دام يختلف عنها من بعض الأوجه " . وليس هذا الكلام حدسا معزولا لأننا نجده بسهولة في كتب عديدة خلال القرن 18 .


     هكذا لا تستطيع المعرفة العامية أن تتطور بتأصلها في القيم الأولى ؛ إنها لا تستطيع هجر امبريقيتها الأولى ، إن لها من الإجابات أكثر مما لديها من الأسئلة ، إن لديها جوابا عن كل شـيء . وسنرى ذلك في المثال المختار التالي : إذا كانت عصا resine راتنج [ مادة صمغية لزجة تفرزها بعض النباتات لاسيما الصنوبر ] تقذف الشرارات لأقل احتكاك ، فلأنها مليئة بالنار . فلماذا نندهش من هذه الظاهرة الجديدة ؟ ... ألم نكن نصنع منذ عهود غابرة مشاعل بواسطة الراتنج ؟ ... وهذه الشرارات ليست فقط نورا باردا بل حارا ، وتستطيع أن ماء الحياة ملتهبا ، ماء النار . كل هذه الملاحظات في النمط الأمبريقي للقرن 18 تثبت الاستمرارية بين الحس المشترك والتجربة العلمية . إن الظاهرة التي فاجأتنا أولا لم تكن أبدا إلا مثالا لسريان النار في مجمل الطبيعة وفي الحياة ذاتها ، وكما قال بوت pott باستخدامه للكلمة العالمة phlogistique  مصدر اللهب [ سائل تصوره الكيميائيون القدامى لتفسير الاحتراق ] ، ولكن بالتفكير ضمنيا في الكلمة الشعبية : النار : " إن امتداد هذه المادة ( le phlogistique = مصدر اللهب ) يذهب أبعد في الكون ، فهو منتشر في الطبيعة كلها ولو في توليفات جد مختلفـــــة " . هكذا ، ليس هناك من حدوس عامة غير الحدوس الساذجة ، والحدوس الساذجة تفسر كل شيء ( . . . ) .


     إن صورا كهاته ـ والتي يمكن مضاعفتها ـ توضح بشكل كاف بأي بساطة ينشئ أمبريقي من الملاحظة نسقه ، ومدى السرعة التي يغلق بها هذا النسق . إننا نرى ذلك ؛ فالمعارف العلمية الكهربائية كتلك التي يكونها الملاحظون الأوائل مُلحقة ، وبسرعة ، بكوسمولوجية للنار . ولو تم إنجاز مصباح كهربائي في القرن 18 ، فإن السؤال التالي كان سيطرح لا محالة وهو : كيف يمكن أن تصير النار الكهربائية الكامنة نارا ظاهرة ؟ .. كيف يمكن أن يصير نور الشرارة نورا دائما ؟ .. وكثيرة هي الأسئلة التي تستهدف جوابا مباشرا ، و لاواحدة من هاته النظرات للكون استطاعت أن تقود وتهدي تقنية معينة .


     لنعد إذن إلى فحص الظاهرة ـ التقنية . إنالتاريخ الفعلي قائم هنا لإثبات أن التقنية عقلانية ، تقنية ملهِمة بواسطة قوانين عقلانية وقوانين جبرية ( الجبر ) ، ونحن نعلم جيدا أن القانون العقلاني الذي يظبط ظواهر المصباح الكهربائي في توهجها هو قانون " جول " الذي يخضع للمعادلة الجبرية التالية :


                         W = RI2t


     ( W = طاقة ، R : مقاومة ، I : قوة التيار ، t : زمن )


     هاهنا علاقة مظبوطة لمفاهيم محددة بدقة . W تسجل في العداد ، RI2t تستهلك بداخل المصباح . إن التنظيم الموضوعي للقيم يتصف بالكمال .


     من المعلوم أن الثقافة المجردة شطبت على الحدوس المحسوسة الأولى ؛ إننا لم نعد نقول ـ أو نعتقد بالكاد ـ أن النار والنور يتجولان في خيط الكهرباء العجيب ، لأن التفسير التقني يذهب إلى المعنى المعاكس للتفسير الجوهراني ، وهكذا فإننا عندما نريد أن نحدد بشكل أفضل آثار المقاومة نستدعي المعادلة التالية : . R = P L


          s        




     ( P = مقاومة المعدن ، L : طول الخيط الكهربائي ، S : القطع المخروطي للخيط الكهربائي ) . وسندرك الضرورة التقنية لاستعمال خيط طويل ودقيق لتصعيد المقاومة ، وسنتعجب لدقة الخيط المرتعش . إن العامل p يحتفظ بدون شك بتحفظ معين اتجاه الأمبريقية ، ولكنها امبريقية مؤطرة جيدا ، مؤطرة عقلانيا . ومن جهة أخرى ، يستطيع علم أكثر تطورا أن يأتي في ما بعد ليضاعف فتوحاته ضد هذه الأمبريقية . إن الصناعة المعاصرة بالتصاقها وتشبتها بتقنية محددة ، وبشتغالها على مادة مصفاة بعناية كما هو شأن فلزات " تنغستين " تنتهي إلى نوع من عقلنة المادة ؛ فبالنسبة للمعمل الذي يصنع المصابيح ذات السليكات من نوع تنغستين لم يعد العامل p يحتفظ أبدا بأية مفاجأة امبريقية ؛ فهو بمعنى ما منزوع الفردية ماديا ، إذا كنا حساسين اللطائف الفلسفية التي لا يمكن أن يفوتها الاعتراف بالدور الفعلي للعقلنة في صناعة المصابيح الكهربائية بالجملة .


     نستطيع إذن أن نؤكد أن المصباح الكهربائي هو موضوع للفكر العلمي ، وبهذه الصفة ، هو مجرد مثال بالنسبة لنا ، ولكنه مثال واضح تماما لموضوع مجرد ـ مشخص ، لنفهم وظيفته ، يجب القيام بانعطاف يقودنا نحو دراسة علاقات الظواهر في ما بينها ؛ أي نحو علم عقلاني معبّر عنه جبريا " .




                                              ك . باشلار


                                         " العقلانية المطبقة "


                          المطبوعات الجامعية الفرنسية 1949 .


            ص ص 109 - 105 .






     إن للتصور الباشلاري الذي يعرّف العلم كمتتالية من القطائع مع المعرفة العامية نتائج من الأهمية بمكان : فلا يجب أن نبحث للاكتشافات العلمية عن سوابق أو أسلاف . إن باشلار يريد محاربة فكرة ، هي مع ذلك أكثر انتشارا ، يتم الإحساس وفقها بكل المعارف العلمية مسبقا " في خطوطها الكبرى " قبل أن يتم بناؤها بشكل صارم . وهكذا فإن القول بأن لوكريس ـ أو لماذا لا ديمُوقريطس ـ هو مبتكر النظرية الذرية للمادة ، هو قول لا معنى له . إنها نظرة للعقل ليؤكد ، كما فعل جوزيف نيدهام ذلك ، أن الاكتشافات المعاصرة حول النسبية والتطور كانت ميبقا متضمنة في الفكر الفلسفي والديني للصين القديمة [" العلم الصيني والغرب " ـ نقط ـ 1973 . ص 45 وما يليها ] . إنه خلط للفكر العلمي ـ الذي يجهد في إقامة قوانين صارمة ونظريات متماسكة ومثبثة بواسطة التجربة ـ مع أمواج الحدوس الميتافيزيقية . إن الظاهرة النفسية التي تغطي هذا الخلط والبلبلة هي مماثلة للخلط الذي نجده في الحلم المنذر [ بوقوع أحداث معينة ] ، وللطريقة ذاتها التي نلصق بها معنى خاصا بالحلم [ المنذر ] الذي ، بخلاف كل الأحلام الأخرى ، يبدو ومع ذلك أنه يعرض الواقع بشكل فضفاض . وبالمثل فإن من بين النظريات الفلسفية حول المادة والتي لا تحصى ، فإننا لا نحتفظ به من بينها إلا تلك التي لها علاقة ، هي غالبا محض لسنية ، مع الاكتشافات العلمية ( فهناك هوة عميقة بين ذرة لوكريس وذرة روثرفورد ) . ونحن في الحالتين معا نعزو للضرورة ما هو ناشئ عن مجرد الصدفة .


     نفس الشيء يقال عن الإبداعات التقنية : فمما لا معنئ له ، وما هو ساذج أن ننسب لليوناردو دافينشي اختراع مظلة هبوط المظليين أو الهيليكوبتر أكثر من كوننا نجعل من جول فيرن أب الرجال ـ الضفادع ؛ فهذا النوع من السخافات المروّجة تجاريا ببراعة وتعالم شديد الخطورة ، حيث تنزع إلى اختزال قيمة هذه الابتكارات وتجعل منها مجرد أفكار فضفاضة هي في مقدور أي عقل متخيِّل .
Admin · شوهد 58 مرة · 0 تعليق
الفئات: إبستمولوجيا
30 ديسمبر 2007

النظرية والتجربة


النظرية والتجربة


المذهب التجريبي أم المذهب العقلاني؟ ..


أشار العديد من الفلاسفة منذ القدم ، وليس الروحانيون منهم وحدهم ، إلى عدم كفاية المعرفة المتأتية عن الحواس.


¯        ديموقريطس : المعرفة اللقيطة والمعرفة الشرعية  : ديموقريطس


صرح ديموقريطس ( القرن 5 ق م ) بأنه " يوجد نوعان من المعرفة ، إحداهما متأتية عن الحواس ، والأخرى عن العقل (= الفكر ) "، وهو يضفي صفة الشرعية على المعرفة المتأتية عن هذا الأخير بإضفاء المصداقية عليها في ما يخص مسألة الحقيقة ، أما بالنسبة للمعرفة الأخرى فهو يطلق عليها إسم المعرفة اللقيطة باعتبارها مفلسة في ما يخص الإحاطة بما هو حق . وهو يقول : " هناك نوعان من المعرفة ، إحداهما شرعية والأخرى لقيطة ، من اللقيطة تنهض تنهض في المجموع الرؤية والسمع والشم والذوق واللمس. وبالمقابل فإن المعرفة الشرعية تتميز عنها بهذا الخصوص "( المقتطفB II).


لنلاحظ بالمناسبة أن موضوعات المعرفة الشرعية تتمثل بالنسبة لديموقريطس في الذرات والفراغ : وبعبارة أخرى فإنه يستحيل بخصوص الذرات والفراغ تكوين معرفة عن طريق الحواس .


¯        ديكارت : تجربة قطعة الشمع : ديكارت


في نهاية التأمل الفلسفي الثاني ، يتناول ديكارت ( 1596 ـ 1650 ) مثال قطعة الشمع " التي تم استخلاصها من خلية النحل " : إنها صلبة وباردة ومتينة نسبيا ، وعندما نلمسها يصدر عنها صوت ، لكننا ما إن نقربها من النار حتى تتغير تغيرا تاما : فشكلها يتغير وتتحول إلى سائل ، تسخن و لا يصدر عنها أي صوت . . . لا يتم تصور الشمع إذن إلا عبر " فحص عقلي " كما استنتج ديكارت ـ والحواس لا تمنحنا مطلقا إلا معطيات هاربة ، قابلة للانمحاء وغير منتظمة .


·لا تمدنا الحواس إلا بمعطيات احتمالية .


كتب ديكارت قائلا : " لا تقدم لنا الحواس أية فكرة عن الأشياء كما نصوغها نحن بواسطة العقل "          


     ( 1647 Notae in programma  ) ، وحتى إذا كانت الصورة تقابل شيئا ما فهذا لا يعني أنها إعادة إنتاج له ، وذلك ليس أكثر من أن صورة الشمس التي تقترحها علينا نظرتنا البصرية ليست إعادة إنتاج للشمس المعروفة عن طريق علم الفلك " .


¯        النزعة التجريبية : إعادة الاعتبار للمحسوس :


رغم ذلك يوجد تيار فكري آخر يتمثل في النزعة التجريبية ( من الحكمة اليونانية Empeiria ، التجربة ) يمثله جون لوكجون لوك ( 1632 ـ 1704 ) و دافيد هيوم ( 1711 ـ 1766 ) خاصة ، وحسب هذه النزعة لا شيء في العقل إلا وتعتبر الحواس مصدره، والعقل مماثل لدى هذه النزعة لصفحة بيضاء تنقش فوقها الحواس المعطيات المعرفية .


فقرة من فقرات ليبنتز ( 1646 ـ 1716 )  المشهورة تشكل الجواب النموذج الذي يضعه العقلانيون في مواجهة النزعة التجريبية : " أعترف بإن التجربة ضرورية ، حتى يمكن للعقل أن يكون متيقنا بخصوص هذه الفكرة أو تلك ، وحتى


ينتبه للأفكار التي توجد بدواخلنا ، لكن أن تكون الوسيلة هي أن التجربة أو الحواس يمكنهما أن يعطيانا أفكارا ؟ .. فلا ؛ إذ لا شيء في العقل مما يأتي من الحواس غير العقل ذاته " ليبنتز " محاولات جديدة حول الفهم الإنساني " 1704 – 1 ,II .  



النظريات و " الوقائع " العلمية






¯        الواقعة " الخام " والواقعة العلمية


إن الملاحظة العلمية " تؤكد أو تدحض أطروحة سابقة ، خطاطة سابقة ، برنامجا للملاحظة " كتب باشلار (1884 ـ 1962 ) في " الفكر العلمي الجديد ".


هكذا لم تكن للعلم أبدا علاقة بالواقعة الخام المدركة في إطار الحس المشترك من طرف مجرد جاهل بأصول العلم ؛ وذلك لأن العلم يستخدم فضلا عن ذلك أدوات خاصة ( وأحيانا أدوات عملاقة كمسرعات الجزيئات ) التي هي " نظريات مطبقة" ( باشلار ، نفس المرجع السابق ) .


إن العقل كما يقول كانط " مطالب بإرغام الطبيعة على الإجابة عن أسئلته" ( " نقد العقل الخالص" مقدمة الطبعة الثانية 1781 ) . ومن هنا فإن العلم يُخضع الطبيعة للسؤال ، وهو بهذا الخصوص ليس مقررا في قاعة محكمة ، كما لا يمارس الملاحظة إلا في الحد الأدنى .


¯        الملاحظة والتجريب


ليست الملاحظة أولا " مجرد معاينة خالصة لواقعة ما " كما يقول كلود بيرنار ( 1813 ـ 1878 )، ونفس الشيء نعنيه عندما نقول إن العالم ناذرا ما يقف عند حدود الملاحظة ؛ إذ يلجأ غالبا إلى التجريب الذي هو " تأكد من فكرة ما عن طريق واقعة " ( كلود بيرنار " مدخل لدراسة الطب التجريبي " 1865 ) .


" إن المجرب هو ذاك الذي ، بفضل تأويل محتمل قليلا أو كثيرا ولكنه أيضا سابق للظواهر موضوع الملاحظة ، يقيم التجربة بالشكل الذي يجعلها ، في إطار السياق المنطقي لتوقعاته ، توفر نتيجة يتم استخدامها للتأكد من الفرضية أو الفكرة المتصورة بشكل سابق على التجربة " ( كلود بيرنار ، نفس المرجع السابق ) .


كلود بيرنار ، فرانسوا جاكوب


·           النظرية دائما هي صاحبة الكلمة الأولى


·          لا يعرف العلم أبدا إلا الملاحظات المصنوعة


كل العقول السليمة تكرر منذ بيكون أنه ليس هناك من المعارف الحقيقية إلا المعارف القائمة على أحداث ملاحظة ، وهذه المقدمة الكبرى لا يمكن الاختلاف حولها ، ومع ذلك كما لاحظ أوغست كونت : " إذا ما تأملنا الظواهر فإننا نربطها فورا ببعض المبادئ ، إذ لن يكون من المستحيل علينا فقط تركيب هذه الملاحظات المعزولة واستخلاص أية نتيجة منها بدون ذلك ، وإنما سنكون عاجزين كليا عن الاحتفاظ بها ، وفي الغالب الأعم فإن الأحداث ستظل غير مدركة تحت أبصارنا " ( " دروس في الفلسفة الوضعية "، الدرس الأول ).


والعالم زيادة على ذلك لا يمارس الملاحظة إلا ناذرا ، إنه يجرب وتلك مسألة مختلفة تماما ؛ وذلك لأن " المجرب ، كما صرح بذلك كلود بيرنار ، يريد زرع الاضطراب في الطبيعة ، إنه يريد التحكم في الظواهر وإعادة إحداثها ل